وهذا اتهام آخر عجيب لا أدري وجهه، يقول فيه صاحبه ناعيًا على البنا دعوته للجهاد:"قلنا: أي جهاد الذي دعا إليه البنا إذا كان قد أقرَّ الشرك الأكبر المخرج من الملة" ( [24] ) .
كيف لعاقل أن يصدق أن البنا أقرَّ الشرك الأكبر؟ إن هذا لشيء عجيب!
ثم يتهم البنا بأنه صوفيّ وأنه بهذا قد ثُلم توحيده، وأتى ببعض ما ظنه شواهد على هذا!
هذا ولقد انبرى شيخ فاضل ( [25] ) للدفاع عن البنا فقال لهذا المتهم:"فأنا أنصحك أيها الشيخ أن تصون لسانك وقلمك عن الوقيعة في هذا الداعية الذي نفع الله به".
فما كان منه إلا أن شن عليه غارة عظيمة، وعدّه صادًا عن سبيل الله بهذه النصيحة، وعدّه خاذلًا للحق، متظاهرًا مع أهل الباطل، ثم اتهمه بأنه بدفاعه عن البنا قد خدش توحيده! وقدح فيه، وأمره بالتوبة، ثم أفحش القول في البنا باتهامه أنه فعل الشرك الأكبر وأقر فاعليه عليه ( [26] ) .
وكل تلك الغارة الهائلة بسبب أمور في التصوف ابتدأ بها البنا حياته، مثل الكثرة الكاثرة من صالحي العالم الإسلامي الذين يحيط بهم التصوف من كل جوانبهم ( [27] ) ، لكن هذا المتهم لم ينظر في أقوال البنا في الصوفية حيث قال بعد كلام عن الصوفية الأولى مادحًا لها ــ كما مدحها شيخا الإسلام من قبل: ابن تيمية وابن القيم ــ:"لكن فكرة الدعوة الصوفية لم تقف عند حدود علم السلوك والتربية، ولو وقفت عند هذا الحد لكان خيرًا لها وللناس، ولكنها جاوزت ذلك بعد العصور الأولى إلى تحليل الأذواق والمواجد، ومزج ذلك بعلوم الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية وأفكارها، فخلطت بذلك الدين بما ليس منه، وفتحت الثغرات الواسعة لكل زنديق أو ملحد أو فاسد الرأي والعقيدة ليدخل من هذا الباب باسم التصوف والدعوة إلى الزهد والتقشف.. وأصبح كل ما يكتب أو يقال في هذه الناحية يجب أن يكون محل نظر دقيق من الناظرين في دين الله والحريصين على صفائه ونقائه..".
فهل بعد هذا الإيضاح والبيان مزيد؟
وفي النهاية أقرر أن البنا ليس بمعصوم، وأنه قد أخطأ في أقوال وأفعال لكن ذلك الخطأ لا يخرجه عن كونه قدوة يُقتدى بها، وعلمًا من أعلام الإسلام في العصر الحديث، والله تعالى أعلم ( [28] ) .
وأظن ــ والله تعالى أعلم ــ أنه لو جُمعت جهود الإخوان والسلفيين وصُبَّت في بوتقة واحدة لتغير وجه التاريخ في العصر الحديث، ولما استطاع أعداؤنا أن يتجرأوا علينا كما هو حاصل اليوم،لكن كان الذي خاف الصالحون أن يكون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
القسم الثاني: الفرقة بين أهل السنة ومن سواهم:
ومن أمثلة ذلك الخلاف:
(1) الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة:
وللمعتزلة أصول عقدية لا يسعنى إيرادها في هذا البحث الموجز، لكني سأذكر قضية خلق القرآن التي أثارها المعتزلة بمساعدة الخليفة العباسي المأمون، وثارت على إثرها فتن طويلة استمرت زمان المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل الذي أمر برفع هذه الفتنة عن الناس، وقتل بسببها الشهيد العالم أحمد بن نصر الخزاعي مظلومًا، ومات علماء في السجون وهم مقيدون ( [29] ) ، وامتحن الإمام أحمد على جلالته وضُرب وسُجن وأُلقي في القيود، وتشدد المعتزلة في هذه القضية حيث إنهم في زمان الواثق بالله العباسي تنمروا للناس، وامتحنوا الأئمة والمؤذنين، وامتحنوا العوام، ومن العجائب أن الواثق بالله العباسي افتدى أربعة آلاف وستمائة أسير مسلم من الروم فقال وزيره المعتزلي المشهور أحمد بن أبي دُؤاد: من لم يقل القرآن مخلوق فلا تَفكّوه ( [30] ) !
ومن أمثلة ما حصل بينهما أيضًا:
لما وصل شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري الحنبلي إلى بَلْخ ــ وهي في أفغانستان اليوم ــ وصل محمولًا على أعناق الرجال، فلما أراد أن يدخل إلى بلخ خرج أهلها إليه، وهمُّوا برجمه، لولا أن الله قيض له من دافع عنه وردَّ عنه كيدهم، وإنما هموا به لأنهم كانوا معتزلة شديدي الاعتزال، وكان شيخ الإسلام مشهورًا في الأفاق بالحنبلة والشدة في السنة ( [31] ) .
(2) الخلاف بين أهل السنة والشيعة:
وهذا أيضًا أدى إلى نتائج صعبة وخيمة وحروب كثيرة، فمن ذلك:
(أ) ما وقع في بغداد مرارًا بين الفريقين، فمن ذلك ما نقله ابن الأثير في كامله في حوادث سنة 443، حيث ذكر أن الفتنة وقعت بين السنة والشيعة، وعظمت أضعاف ما كانت قديمًا، وسببها أن أهل الكرخ ــ محلة ببغداد فيها الشيعة ــ عملوا أبراجًا كتبوا عليها بالذهب: محمد وعلي خير البشر، وأنكر أهل السنة هذا، ثم حصلت أمور أدت إلى قتال ونهب بسبب مقتل هاشمي من أهل السنة، فقصد الناس المشهد ونهبوا ما فيه، وأضرموا حريقًا أتى على كثير من قبور الأئمة، فقصد الشيعة إلى خان الفقهاء الحنفيين فنهبوه، وقتلوا مدرس الحنفية أبا سعد السرخسيّ، وأحرقوا الخان ودور الفقهاء ( [32] ) .
(ب) ومما لا ينبغي أن ينسى ما اقترفه الوزير الرافضي ابن العلقمي في بغداد سنة 658، حين سَوّل لهولاكو اقتحام بغداد وكاتبه وأطمعه في العراق، وهذا بسبب نقمته على أهل السنة حين وقعت الفتنة المهولة ببغداد بين السنة والرافضة، فقُتل بسبب صنيعه هذا من الناس ببغداد فوق المليون شخص ( [33] ) ! وإنا لله وإنا إليه راجعون.
(ج) ولا ينسى ما فعلته الدولة الصفوية الشيعية في إيران من طعن الدولة العثمانية من الخلف في أشد الأوقات وأصعبها؛ حال اشتغال الدولة العثمانية بفتوح أوروبا، وذكر الحروب التي جرت بينهما أمر صعب مؤلم لا يحتمله هذا البحث، ولا تطيقه النفوس المتطلعة إلى الوئام والاجتماع ( [34] ) .
(د) الفتن بين السنة والزيدية:
وهي فتن كثيرة متعددة كانت تجري في اليمن، لكني سأجتزئ منها واحدة فقط ذكرها الإمام الشوكاني ــ رحمه الله تعالى ــ متحدثًا عنها، وقد ذكر فتنًا كثيرة كانت تجري في صنعاء بسبب التعصب الشيعي، وقد بيَّن الشوكاني ذلك أثناء ترجمته لأحد علماء الفرائض والرياضيات في صنعاء:
السيد يحيى بن محمد الحوثي ثم الصنعاني، ولد تقريبًا سنة 1160، ونشأ بصنعاء فاشتغل بعلم الفرائض والحساب والضرب والمساحة، ففاق في ذلك أهل عصره وتفرد به ولم يشاركه فيه أحد، وصار الناس عيالًا عليه في ذلك ولم يكن له بغير هذا العلم إلمام، مع أنه قد توجه إلى الطلب، ولكن كان كل حظه في هذا العلم، وهو رجل خاشع متواضع كثير الأذكار سليم الصدر إلى غاية يعتريه في بعض الأحوال حدة مفرطة، وقد كان حصل معه جنون في أيام شبابه ثم عافاه الله من ذلك، وما زال مواظبًا على الخير لكنه قليل ذات اليد بما يضيق صدره لذلك مع كثرة عائلته ويسر الله له ما يقوم به بعد مزيد امتحان، وهو شيخي أخذت عنه علم الفرائض والوصايا والضرب والمساحة.