فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 3028

يقول الشيخ بن باز رحمه الله: (وبذلك يتضح لكل طالب علم أن الدعوة إلى الله من أهم المهمات، وأن الأمة في كل مكان وزمان في أشد الحاجة إليها، بل في أشد الضرورة إلى ذلك) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ بن باز جـ1/333 .

إذن تنقسم الإجابة على هذا السؤال وهو (متى ندعو) إلى شقين:

أ/ متى ندعو ؟ (الوقت) .

ب/ أهلية الداعي (متى أصلح أن أكون داعية؟) .

أ/ الوقت: يقول الشيخ بن باز رحمه الله:"في كل مكان وزمان".

فنحن ندعو إلى الله في كل وقت .

كفعل نوح عليه السلام، قال الله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا}

(نوح: 5) . يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:"يخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح عليه السلام.. وما بيّن لقومه ووضح لهم ودعاهم إلى الرشد والسبيل الأقوم فقال { قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} أي لم أترك دعاءهم في ليلٍ ولا نهار امتثالًا لأمرك وابتغاء لطاعتك".

ندعو في أصعب المواقف وأشدها .

كفعل يوسف عليه السلام عندما دعا إلى الله وهو في السجن .

قال تعالى: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (يوسف:39ـ41) .

يقول الشيخ السعدي رحمه الله:"فيوسف عليه السلام دعا صاحبي السجن لعبادة الله وحده وإخلاص الدين له".

ندعو حتى في مرض الموت:

كفعل يعقوب عليه السلام، قال الله تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة:133) ، يقول الشيخ السعدي رحمه الله:"فقال لنبيه على وجه الاختبار، ولتقر عينه في حياته بامتثالهم ما وصاهم به، {ما تعبدون من بعدي} ".

ندعو عند الغرغرة.. عن أنس بن مالك t قال: كانت عامة وصية رسول اللهr حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنَفَسه: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) .

بل لو استطعنا لدعونا الناس بعد مماتنا ..

كما فعل العبد الصالح في قوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} (يّس:20ـ27) .

ذكر بن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: {يا ليت قومي يعلمون} قال قتادة رحمه الله:

لا تلقى المؤمن إلا ناصحًا لا تلقاه غاشًا، وقال ابن عباس t: نصح قومه في حياته بقوله:

{يا قوم اتبعوا المرسلين} وبعد مماته في قوله: {يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} رواه ابن أبي حاتم. لكن هذا لا يمنع مراعاة أحوال المخاطبين فلا نثقل عليهم بل نبذل جهودنا في كل وقت لكن مع أشخاص مختلفين .

ب/ أهلية الداعي لأن يكون داعيًا:

متى نكون أهلًا للدعوة؟ إن النساء في هذا الأمر طرفان ووسط، فمنهن من تطير بالكلمة دون فهم، ولا علم. ومنهن من تنتظر إلى أن تصبح عالمة راسخة في العلم حتى تدعو إلى الله. وحتى يكون هناك توازن، يجب أن يُعلم حال التوازن بين العلم والتبليغ .

فالتبليغ ينقسم إلى قسمين:

أ / تبليغ نصي .

ب/ تبليغ تفهيمي .

والقسمان يعتمدان على علم المبلغ .

والنبي r دعا لمبلغ كلامه إلى غيره، فعن جبير بن مطعم t قال: قال رسول الله r: (نضَّر الله أمرأ سمع مقالتي فبلغها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) رواه ابن ماجه رقم الحديث 244 .

قال صاحب تحفة الأحوذي تعليقًا على الحديث: (لو لم يكن في طلب الحديث وحفظه وتبليغه فائدة سوى أن يستفيد بركة هذه الدعوة لكفى ذلك فائدة وغُنمًا، وجلّ في الدارين حظًا وقسمًا) تحفة الأحوذي، ج7/349. فهذا سامع للعلم حافظ له، بلَّغه، وربما يكون المبلَّغ أفقه منه.

فالتبليغ النصي: إذن نقل لكلام أهل العلم، واليوم ولله الحمد تيسرت طرق النقل، فمن توزيع فتاوى مطبوعة من كلام أهل العلم الراسخين، أو أشرطة الوعظ والإرشاد للثقاة من العلماء وطلبة العلم . إلى أن يكون دور الداعية نقل المحفوظ من كلام الله وكلام رسوله بعد الوعي والحفظ. والحقيقة أن أكثر ما يعيب الداعيات عدم الوعي للمنقول من كلام أهل العلم فيحصل التشويه والبتر وهذا أفسد ما يكون للعلم .

أما التبليغ التفهيمي: فنقصد به فهم مقاصد الشريعة، والقدرة على الاستنباط، والاجتهاد والقياس، والحكم على المسائل النازلة .

وهذا لا يكون إلا من أصحاب القدم الراسخة في العلم .

رابعًا: كيف ندعو ؟

الدعوة إلى الله عز وجل الأصل فيها المتابعة وهذا يتضح من قوله تعالى:

{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف:108) يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:"قوله: (أدعو) حال من الياء في قوله (سبيلي) ، ويحتمل أن يكون استئنافًا لبيان تلك السبيل"الجزء التاسع، مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ص117.

إذن هذه السبيل لها كيفية يجب أن تُعلم، وهي أن يكون الداعي على بصيرة. ويقول رحمه الله في قوله: (عَلَى بَصِيرةٍ) :"ليس المقصود بالعلم في قوله (عَلَى بَصِيرَةٍ) العلم بالشرع فقط، بل يشمل العلم بالشرع، والعلم بحال المدعو، والعلم بالسبيل الموصل إلى المقصود وهو الحكمة. فيكون بصيرًا بحكم الشرع وبصيرًا بحال المدعو، وبصيرًا بالطرق الموصلة لتحقيق الدعوة ولهذا قال النبي r لمعاذ: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب) ". الجزء التاسع، مجموع الفتاوى، الشيخ ابن عثيمين ص 119 .

ويمكن تمثيل ذلك بهذه الصورة:

بصيرة بحكم الشرع + بصيرة بحال المدعو = بصيرة بالطريق الموصلة لتحقيق الدعوة .

علم + فقه الواقع = الحكمة .

(إذن الحكمة وليدة العلم) .

لكن يبقى هنا أن ننبه أن هذه المعادلة تحتاج إلى موازنة ولهذا نبه ابن القيم رحمه الله فقال:"ولا يُمَكَّن المفتي ولا الحاكم من الفتوى إلا بنوعين من الفهم."

أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا .

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكمة الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله r في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يُعدم أجرين أو أجرًا"انتهى."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت