فهرس الكتاب

الصفحة 2689 من 3028

كما يتميز بالتطور الهائل في تكنولوجيا الانتقال والاتصال، حيث وصل الإنسان إلى القمر، وأرسل أجهزة إلى المريخ جمعت صورًا لسطحه وعينات من تربته، واخترعت أدوات جديدة للتواصل بين أعداد أكبر من الناس كما في شبكة الإنترنت، والأقمار الصناعية والمحطات الفضائية، التي أصبح الانسان قادرًا عبرها على أن يرى ويسمع ما يدور في أرجاء العالم.

هذه الثورة التقنية العلمية الهائلة، نسبة لميلادها وتطورها في كنف الحضارة الغربية أفرزت تحديات كبيرة على كافة الأصعدة ـ خاصة الصعيد الإعلامي ـ حيث أصبح الإعلام العالمي أداة فعالة للنظام العالمي الجديد تعمل على تمكينه من بسط سيطرته، ونشر حضارته، والعمل على تشكيل العالم وفق الطريقة التي يريد، عبر إحكام السيطرة على المؤسسات الدولية وأجهزة الإعلام العالمية من صحف وإذاعات وقنوات فضائية ونحوه.

دور الرسالة الإعلامية الغربية في إضعاف الوحدة الإسلامية:

لعله بات من مكرور القول ترديد أن المسيطرين على الإعلام العالمي اليوم ـ على اختلاف منابره ـ يسعون بكل ما أوتوا من قوة لإبقاء الأمة الإسلامية في حالة الضعف والضياع والانقسام التي تعيشها، كما يسعون لإجهاض كل محاولة لتوحيد الأمة عبر مخطط إعلامي متكامل يراعي الجودة في خطوات العملية الإعلامية فيهتم بالمرسِل والمستقبِل كما لا يهمل الرسالة ولا وسيلة إيصالها. فنجده في اهتمامه بالرسالة يراعي أن تحقق مقاصده وتوافق مخطاطته، ويتفنن في محاولة إخراجها في قالب محايد تارة وقالب منحاز تارة أخرى، وفي كل الأحوال تبقى الرسالة الإعلامية العالمية متسمة بالأتي:

-التضليل وإلباس الحق ثوب الباطل، وإظهار الجاني بمظهر الضحية، والعكس صحيح؛ ومن ذلك ما يشاع من ربط الإسلام بالإرهاب، وما يبث ويتناقل من حب اليهود للسلام!.

-البعد عن الدقة والعلمية عند الحديث عن المسلمين فتجدهم يروِّجون لممارسة حكومة السودان للرق في الجنوب، والتطهير العرقي في دارفور ونحو ذلك.

-التطفيف، وازدواجية المعايير، وسياسة الكيل بمكيالين، إذ يعتبر الإعلام العالمي الحركتين الإنفصاليتين في أندونسيا وجنوب السودان حركات تحررية مشروعة بينما حركتي المجاهدين في كشمير وحنوب الفلبين حركات إرهابية غير مشروعة (1) .

-الانحياز التام ضد الفكرة الإسلامية الصحيحة، والسعي الدؤوب لزرع بذور التفرقة بين المسلمين، هذا الكيد الذي لم ينقطع منذ أيام عبد الله بن أبي بن سلول، مرورًا بكتاب الوزير الروماني (ت. ج. دجوفارا) ، الذي ظهرت طبعته الأولى باللغة الفرنسية عام 1914م، بتقديم لويس رينو الأستاذ في كلية الحقوق وكلية العلوم السياسية، عن مدى جدّية الأوروبيين واهتمامهم بالقضاء على وحدة الأمة الإسلامية، في ظل كيان الدولة العثمانية. وعنوان الكتاب (( مائة مشروع لتقسيم تركيا ) )، بالاعتماد على أوراق وأراشيف وزارات خارجية الدول الأوربية، وتبلغ صفحات الكتاب 650 صفحة من القطع المتوسط (2) ، مرورًا بالترويج لاتفاقيات سايكس بيكو، وسان ريمو، واتفاقيات باريس، والتي قُسمت بموجبها البلاد العربية والإسلامية إلى مناطق نفوذ واستعمار بين الدول الأوربية إلى تصريحات المستشرق اليهودي المعاصر (برنارد لويس) التي يقول فيها: (( إن المنطقة الممتدة من باكستان حتى المغرب ستبقى في حالة اضطراب إلى أن يعاد النظر في الخريطة السياسية لدولها ) ) (3) والتي ظهرت آثارها الآن في كشمير والسودان وغيرها من دول العالم.

لماذا الرسالة الإعلامية؟ ولماذا فلسطين نموذجًا؟

العملية الإعلامية متعددة المحاور، مختلفة الجوانب، كثيرة التفاصيل غير أنه يمكن أن نميّز فيها أربعة عناصر رئيسة هي: المرسل، المستقبل، الرسالة، وسيلة إيصال الرسالة، وكل عنصر من هذه العناصر تحته فروع كثيرة، ودراسة دور الإعلام في وحدة المسلمين يتطلب أن لا نهمل أحد هذه العناصر، الأمر الذي يؤدي إلى إطالة قد لا تتناسب مع الموجهات المقررة لهذه الورقة، لذلك وقع الاختيار على أهم مكونات العملية الإعلامية: الرسالة الإعلامية دون سواها.

من جانب آخر فإن موضوع وحدة المسلمين من"أمهات الموضوعات"التي تحوي معالم عديدة، وشعبًا كثيرة، رأينا أن نلجها من مدخل قضايا المسلمين الكبرى التي لا تختلف فيها الآراء ولا تتعدد حولها التوجهات، فاختيرت فلسطين نموذجًا، لأنّ قضية فلسطين تقع في وجدان كل مسلم يشعر بانتمائه لهذه الأمة وينبض قلبه بالإيمان الصادق ويجيش صدره بعزة الإسلام، ذلك أن فلسطين تحوي القدس التي لها مكانتها الدينية المرموقة التي اتفق عليها المسلمون بجميع طوائفهم ومذاهبهم وتوجهاتهم.

فالقدس هي القبلة الأولى التي توجه إليها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه منذ أن فرضت الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج في السنة العاشرة للبعثة قبل الهجرة بثلاث سنوات وظلت القدس قبلة المسلمين بعد هجرتهم إلى المدينة المنورة ستة عشر شهرًا حتى نزل القرآن يأمرهم بالتوجه إلى الكعبة قال تعالى: (و من حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (4) .

كما أنّ القدس هي منتهى الإسراء ومنطلق المعراج إلى السماء وفيها أمّ الرسول صلى الله عليه وسلم الأنبياء في المسجد الأقصى ـ على أرجح الأقوال ـ وفي ذلك دليل على ختم الإسلام للنبوات وشموله للرسالات السماوية السابقة، وبدء الإسراء من المسجد الحرام وانتهاؤه بالمسجد الأقصى فيه ربط للمسجدين لن يزول مهما فعل اليهود، يقول سبحانه وتعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) (5) ، ثم إن المسجد الحرام هو ثالث الحرمين الشريفين: الأول هو المسجد الحرام في مكة، والثاني هو المسجد النبوي في المدينة، وثالثهما هو المسجد الأقصى في القدس قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا ) ) (6) .

والقدس قبل هذا كله أرض النبيين ودار المرسلين ومأوى الصالحين،أرض المحشر والمنشر، مُهَاجر الخليل إبراهيم، وديار أيوب ومحراب داود، وعجائب سليمان ومهد عيسى عليهم جميعًا السلام.. أرض البركة التي وصفها الله بأنها مباركة في خمسة مواضع في القرآن (7) هي:

-قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله..) (8) .

-قوله تعالى: (ونجيناه ولوطًا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) (9) .

-قوله تعالى: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا..) (10) .

-قوله تعالى: (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها) (11) .

-قوله تعالى: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير..) (12) .

إن القدس في الاعتقاد الإسلامي سامية المكانة، عالية المنزلة، عزيزة الحمى.. لذلك اختيرت في هذه الورقة لتمثل قضايا المسلمين الكبرى.

ثانيًا: الرسالة الإعلامية وتوحيد المسلمين حول قضاياهم الكبرى:

وفقًا لما يراه عدد من المختصين (13) يمكن أن يلعب الإعلام دورًا كبيرًا في توحيد المسلمين حول قضاياهم المصيرية ـ والنموذج المختار هنا هو قضية فلسطين ـ وذلك عبر السعي لإحداث تغيير إيجابي في:

-الجانب المعرفي

-المواقف والاتجاهات

-التنشئة الاجتماعية

وسنفرد هذه المحاور بشيء من التفصيل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت