من الطرح السياسي والثقافي والإعلامي (المضل) : اضطراب المفاهيم والتباسها، لا سيما في القيم والمبادئ الأساسية وما يضادها، وهما اضطراب والتباس أتاحا لأعداء قيم معينة: رفع شعارها، والمتاجرة بها، والمزايدة عليها، فرأينا دولًا موغلة في الاستبداد والطغيان، تأخذ بنظام الحكم الواحد الوصي: تسمي نفسها بـ (الجمهورية الديمقراطية....) .. ومن الأمثلة الأخرى على الاضطراب والالتباس: أن (مفهوم الإرهاب) لا يزال عائمًا غائمًا: يُخرَج منه ما هو من صميمه، ويُدخَل فيه ما ليس منه، بل ما يناقضه.
ومن أجل تكوين وعي إنساني رشيد ـ ثقافي وسياسي وإعلامي ـ: ينبغي أن ينشط العقلاء الكبار من مثقفين ومفكرين وفلاسفة، وأن يتعاونوا على تحديد المفاهيم وضبطها، ولو بنسبة راجحة من الصواب، لأن (التحديد الكامل) أمر غير مستطاع.. مثلًا: هناك أكثر من 100 تعريف للحرية: متقاربة ومختلفة ومتناقضة. ومن المستطاع: استخلاص (مفهوم مشترك) من هذه التعريفات المائة: مفهوم متفق ـ لا مجمع ـ عليه.
السطور الآنفة مدخل للموضوع الرئيس: موضوع (الطغيان) . ففي خطابه ـ في يوم التنصيب للولاية الثانية ـ كرر الرئيس الأمريكي جورج بوش كلمتي: (طغيان) و (استبداد) غير مرة.
ولن نختلف معه ـ قط ـ في معاداة الطغيان، ووجوب مناهضته.. ولكن ما هو الطغيان؟
إن الطغيان نماذج وصور متعددة، وليس نموذجًا واحدًا، ولا صورة مفردة.. وستكون مناهضة الطغيان ناقصة وفاشلة، ما لم تُستحضَر نماذجه كافة، ويُكَر عليها بالحجة الدامغة، والموقف الصلب.
ولقد اجتهد فلاسفة ومفكرون أحرار في رصد صور الطغيان، ونبهوا البشرية إلى شرورها ومفاسدها وجرائمها التي لا تحصى.. هذا صحيح ومفرح. بيد أن هناك (كتابًا) حمل منهجًا واضحًا جدًا وشاملًا، استقصى صور الطغيان ومضامينه ونماذجه، واستنهض البشرية للتحرر منه.
هذا الكتاب هو (القرآن) .
نعم.. فمن (مقاصد) القرآن الكبرى: تقبيح الطغيان ودينونته، والحض على التحرر من صوره جميعًا:
(1) تقبيح الطغيان في صيغته اللفظية هذه (الطغيان) :
أ ـ الطغيان المتصاعد الذي ينتهي بادعاء الألوهية: (اذهب إلى فرعون إنه طغى. فقل هل لك إلى أن تزكى. وأهديك إلى ربك فتخشى. فأراه الآية الكبرى. فكذب وعصا. ثم أدبر يسعى. فحشر فنادى. فقال أنا ربكم الأعلى) .
ب ـ الطغيان المنتهي إلى المصير التعس: (إن جهنم كانت مرصادًا. للطاغين مآبًا) .
(2) تقبيح الطغيان في صورته (الاستكبارية) الإرهابية التهديدية العدوانية الاستلابية (استلاب إرادة الناس) :
أ ـ (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا) .
ب ـ (وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعًا فهل أنتم مغنون عنا نصيبًا من النار. قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد) .
(3) تقبيح الطغيان في صورته النزّاعة إلى العلو في الأرض، وإلى اضطهاد الأمم واستعبادها وتفتيتها وسفك دمها: (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين. ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. ونمكن لهم في الأرض ونُري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) .
(4) تقبيح الطغيان في صورته (التجبرية الاستبدادية) :
أ ـ (وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد. وأُتْبِعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة) .
ب ـ (وخاب كل جبار عنيد) ..ومن هنا، نفى القرآن التجبر الاستبدادي عن الأنبياء والمرسلين:
ـ نفاه عن يحيى عليه السلام: (وبرًا بوالديه ولم يكن جبارًا عصيًا) ..
ـ ونفاه عن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: (وبرًا بوالدتي ولم يجعلني جبارًا شقيًا) ..
ـ ونفاه عن محمد صلى الله عليه وسلم: (وما أنت عليهم بجبار) .
(5) تقبيح الطغيان في صورته (التعذيبية) التي تعذب الناس، وتتسلى بتعذيبهم في السجون والأقبية والأخاديد: (قتل أصحاب الأخدود. النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) .
(6) تقبيح الطغيان في صورته (المغرورة) بالقوة، والممارسة لهذه القوة المغرورة:
أ ـ (وإذا بطشتم بطشتم جبارين) .
ب ـ (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) .
(7) تقبيح الطغيان في صورته (الظالمة) .
أ ـ (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا) .
ب ـ (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) .
جـ ـ (وقد خاب من حمل ظلمًا) .. ولقد أبرز القرآن العلاقة المبدئية والوظيفية بين الظلم والطغيان: (وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى) . ولذا فإن خلو وجه الأرض من الظلم الطاغي إنما هو يوم عيد يشكر فيه الله ويحمد: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) .
(8) تقبيح الطغيان في صورته النزّاعة إلى (السيطرة الكونية) على البشرية كلها.. ولما كان النبي مبرأ من كل ميل إلى الطغيان، فقد نفى عنه القرآن هذه السيطرة: (لست عليهم بمسيطر) .
(9) تقبيح الطغيان في صورته الإملائية القسرية القهرية على دين، أو مبدأ، أو مذهب أو نموذج حضاري: ولما كان النبي مطهرًا من كل ميل إلى الطغيان، فقد عصمه الله من هذا الإملاء والقسر والقهر:
أ ـ (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) .
ب ـ (ولو شاء ربك لآمن في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) .
جـ ـ (وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين) .
(10) تقبيح الطغيان في صورته (الضائقة) بـ (التعددية الكونية والتشريعية) .
أ ـ (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) .
ب ـ (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) .
جـ ـ (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم فينبؤكم بما كنتم فيه تختلفون) .
(11) تقبيح الطغيان في صورته الداعمة للظلم والعدوان والإجرام: (قال رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيرًا للمجرمين) .
هذه إحدى عشرة صورة من صور الطغيان: قبحها القرآن ودانها، واستنهض البشرية للتحرر منها.. وهذه الصور مجرد نماذج، وإلا فإن الاستقراء التام سيوقفنا أمام منهج قرآني كامل: يتعقب الطغيان في مختلف مضامينه وصوره وصيغه وأشكال: يتعقبه بالنقض والتقبيح، وبالحفز على الوعي المستمر بمخاطره المدمرة: وعيًا مقترنًا بإرادة التحرر والتطهر من لوثاته وضغوطه.
لا خلاف ـ من ثم ـ على معاداة الطغيان.
لكنّ حصر الطغيان في (القمع السياسي) وحده ـ مثلًا ـ إنما هو حصر في صورة واحدة من صور الطغيان، وهو حصر (غافل) إن كان غير مُتعمَّد، وحصر (مُضَلِّل) إن كان مُتعمَّدًا، لأنه عندئذ حصر يلهي الناس ويصرفهم عن النماذج الأخرى مثل: الاستكبار في الأرض.. والغرور بالقوة.. وفرض النماذج الحضارية بالإكراه.. ومباشرة الظلم المعنوي والمادي.. والجموح إلى (استثناءات كونية) : سياسية، واقتصادية، وقانونية.
تعالوا: نتفاهم ـ بعلم وصدق ـ على مفهوم واضح ومشترك للطغيان.. وتعالوا ـ بالتالي ـ نتعاون على تحرير الناس، وتطهير الأرض من كل طغيان. مهما كان نوعه ومصدره.