ومع تطور الحياة السياسية والاجتماعية تعددت الدول وقامت معظمها على مبادئ وأفكار وقيم مختلفة وكل دولة تسعي لسيادة مبادئها وانتشار أفكارها وإخضاع الأخرون لما يرونه من مبادئ وإتجاهات, فكان هذا الصراع العالمي الذى اتخذ شكل الحروب و القتال و الغزو العسكري. وظهر الاعلام كسلاح خطير في هذا الصراع الدولي سيما بعد أن توفرت له وسائل متطورة لها قدرة الوصول إلى أي مجتمع وجماعاته وبسهولة وبساطة , فحظي الاعلام بذلك باهتمام كبير من جانب الدول والمجتمعات والهيئات في عالمنا المعاصر, وأصبحت الرسالة الاعلامية تحمل فكر مرسلها لتعمل في مجالات النشاط الإنساني كافة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وفنيًا , فكان الإعلام بذلك قوة فاعلة تربط المجتمع الإنساني بمضامين واتجاهات متعددة بغرض التحويل و الاقناع ومن ثم الإتباع والولاء. وما نشاهده اليوم من هذا الفيض الهائل من البرامج المسموعة والمقروءة و المرئية التي تحملها اجهزة متطورة يومًا بعد يوم لدليل واضح على خطورة وأهمية الاعلام بالنسبة لأي جماعة أو دولة تتطلع للسيادة والانتشار. وعلى الرغم من إيجابيات هذه الثورة الاعلامية والوسائل المتطورة في مجال التثقيف والأخبار وربط المجتمع البشري بما يحدث في أنحاء العالم لحظة بلحظة وما تحقق من وعي ويقظة فكرية بين الأجيال الجديدة في هذا العالم فإنها لم تخل من سلبيات خطيرة ومظاهر سالبة إنجرفت إليها الكثير من محطات الإرسال والبث ودور النشر و الطباعة سواء كان ذلك بغرض الهدم المقصود لما تعارف عليه الناس من قيم ومثل أو الكسب المادي والإنتشار وكلها ولا شك قادت نحو آثار سالبة ظهرت في العديد من الدول وخصوصا في مجال الفكر و الثقافة والآداب العامة, مما أوجد صراعا رهيبا في عقول الناشئة ومعارضات (سالبة) من جانب المفكرين و المربين, فوقع العالم في حيرة نتيجة هذا الصراع بين ثقافات متعارضة ودول مختلفة ليضع الاجيال الحالية في حيرة بل واحيانا في ضياع وتيه..ولعل من مساوئ هذه الهجمات و الأفكار ما كان منها بغرض الاستهداف والاعتداء والافتراء على نظم بعينها او مبادئ سائدة بغرض تحقيق انصراف الناس عن هذه المبادئ أو الثورة على هذه النظم بما يحقق سيطرة افكار ونظم الجهات التي تقف خلف هذه الرسائل والبرامج الاعلامية الغازية.
العالم الإسلامي والثورة الإعلامية
لما كان العالم الاسلامي جزءًا لا يتجزأ عن غيره من الدول والمجتمعات التى تتعرض لما يبث من برامج إعلامية مختلفة, فقد كان طبيعيًا أن تتأثر كثير من هذه المجتمعات المسلمة بمضامين وأهداف الرسائل الإعلامية الصادرة من أجهزة الإعلام المختلفة سيما بعد سيطرة الشبكات الإذاعية والأقمار الصناعية..ولما كانت المصادر الاعلامية في معظمها بعيدة عن هدى الاسلام ومبادئه أو على الأقل غير حريصة على تقديم مفاهيم الإسلام وتوجيهاته ضمن مضامين برامجها, فقد أتاح ذلك سيطرة ملموسة على ما يصل العقل المسلم من برامج منحرفة عن هدى الله حتى أصبحت مثل هذه البرامج قضايا مسلمًا بها لدى بعض الناشئة حيث لا بديل عنها تقدمه الدول والجماعات الإسلامية التى كانت-بل ومازالت- لا تملك تقنيات الإتصال الحديثة أو التنظير والتأصيل الإسلامي للرسالة الإعلامية. ولعل من أهم الاسباب التي حالت دون تقدم المجتمعات الإسلامية في مجال الإعلام الحديث ووسائله ما يلي:-
أولا: تركيز علماء المسلمين وطلاب العلم وجامعاتهم على العناية بالعلوم الشرعية والأصول الإسلامية ودراسة اللغة العربية..وهذا أمر طبيعى ومطلوب دائمًا ولاشك , ولكن الأمر كان يتطلب بذل الجهد والعناية بالعلوم الحديثة والفنون الانسانية الجديدة ومنها الإعلام دراسة وتأصيلا ونقدًا وتحليلًا , بما يوفر طاقات علمية قادرة على الإسهام بالجديد الملتزم بهدى الله سواء في مجال البرامج أو التقنيات أو القوى البشرية المدربة.
ثانيا: لما كان الإعلام الموجه لدول المسلمين صادرا عن مصادر أقل ما يقال عنها أنها بعيدة عن الإسلام وغير متحمسة لنشر مبادئه إن لم تكن معادية تماما فإن هذه الرسائل جاءت متأثرة بعادات وتقاليد أصحابها التي كانت في معظمها مخالفة لشرع الله سواء في المضمون أو الشكل أو الإخراج, مما أوجد معارضة من المسلمين عامة, وعلمائهم خاصة, حتى اعتبر البعض أن ماتقدمه وسائل الاعلام في حكم المحرم شرعًا بل وصل الامر عند بعض المتشددين بتحريم الاجهزة التى تحمل مثل هذه البرامج وظل ذلك الامر لفترة طويلة أتاحت سيادة البرامج الغربية.
ثالثا: عندما أدرك المسلمون خطورة الإعلام واستحالة صد ما تبثه الوسائل المختلفة ومنع تأثيرها على الناشئة خاصة والمجتمع عامة لم يكن أمام المتحمسين والحريصين سوى النموذج الغربي في البرامج تصويرًا وإخراجًا.
رابعا: إن محاولة تأهيل جيل إعلامي متخصص في فنون الإعلام وتقنياته كان عن طريق توجيه هذا الجيل نحو المؤسسات الإعلامية في بلاد الغرب فعادوا يحملون تقنية الغرب, بل وفكر الغرب, فنشأ جيل إعلامي يحمل أسم الإسلام ويفكر بعقل الغرب الذي ينكر الإسلام مبادئه.
من أجل هذه الاسباب وغيرها أصبح العالم الاسلامي في معظمه عالة على العالم الغربي مستوردًا لبرامجه وفنونه بل وأفكاره ونظرياته, مما يجعلنا نطرح السؤال الاتي: ما هي ضرورة الإعلام الإسلامي؟ إن الواقع الذي تعيشه معظم المجتمعات الإسلامية في صراعها مع التيارات الوافدة والأفكار المادية التي تحملها أجهزة إعلام لها قدرة التأثير والتجديد والإقناع, لاشك أنه لايتفق تماما مع ما يجب أن تكون عليه هذه الأمة المسلمة من مكانة وريادة , والتي أشار اليها كتاب الله عز وجل (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا) . البقرة 143 وليس هذا أمر خيار أن تكون كذلك أو لا تكون, بل هو فرض على أمة الإسلام أن تتولى الدعوة والإبلاغ بأحكام الله الداعية للفضيلة والصلاح بل ومحاربة المنكرات وكل ما يفسد عقائد الناس أو ينحرف بسلوكهم, يقول الحق سبحانه: ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) . آل عمران 1.4 ويؤكد على ذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم في قوله: