وفي موضع آخر تحت موضوع مكوّنات شخصية الإنسان وعلاقة ذلك بهذا العلم (ص25) ، ذكر الأقسام الثلاثة المكوّنة لشخصية الإنسان في علم البرمجة اللغوية العصبية، وهي كما سطرها: الفكر المشاعر والسلوك الخارجي. وذكر في نفس الصفحة: (إن المدخل لتغيير معتقدات وقيم الإنسان هو تغيير تفكيره على أن التفكير يمكن تغييره من خلال السلوك أو الشعور، ومن هنا تنبع أهمية هذا الجانب) . ا.هـ.
وبالنظر في هذا الشعار نبدأ بسلسلة وقفاتنا مع الشيخ راجين عفو ربنا عز وجل وتوفيقه. فأول هذا الوقفات الإيمانية هي:
هل الإيمان فكر (أو أفكار) و شعور (أو عواطف) ؟
وقبل ذلك لا بد من تمهيد بسيط حول مفهوم مكونات شخصية الإنسان في البرمجة اللغوية العصبية المذكورة سلفًا. فلقد عمل علماء النفس في مراحل عديدة ومتفرقة على فهم سلوك وشعور الإنسان وطرق تفكيره منذ أمد بعيد. فجاءت من جرّاء ذلك التجارب تلو التجارب، والنظريات بعد النظريات لمحاولة تحسين تصورهم لهذا الإنسان العجيب الغريب المجهول في مكوناته. فمن الفلسفات والاعتقادات الإغريقية إلى نظريات التحليل النفسي الفرويدية إلى نظريات العلاج السلوكي الإدراكي إلى غيرها من النظريات المتنوعة في علم النفس والطب النفسي. فمثلًا، نظرية العلاج السلوكي أُستعملت للتعامل مع الخوف والتخوّفات والسلوك الإلزامي والإستحواذي، وهذا العلاج يقوم على الاعتقاد بأن ذلك السلوك المعين يتعلّم ردًّا على التجربة السابقة، ويمكن أن تكون هذه التجربة جديدة أو مجدّدة، بدون اعتبار تحليل الماضي لإيجاد سببًا لذلك السلوك. ونظرية العلاج بالتحليل النفسي الإنساني تقوم على النمو الشخصي والتنمية الذاتية. ونظرية العلاج السلوكي الإدراكي تجمع الأساليب الإدراكية السلوكية في تعلم طرق تغيير الأفكار والتوقعات وطرق الاسترخاء، وتُستخدم للأمراض ذات العلاقة بالإجهاد والخوف والإستحواذ وإضطرابات التغذية وغيرها. ونظرية العلاج الإدراكي تستعمل قوّة العقل للتأثير على السلوك، وهذه النظرية مفادها هو استطاعة التأثير على الفهم الذاتي عكسيًا وتكيّف الموقف والمشاعر و القدرة على التعامل مع بعض الحالات من خلال تعديل ردود الأفعال والسلوك. وأما نظرية الجشتالت الألمانية لفريز بيرلز تتلخص في أن ردود أفعال الإنسان مرتبطة بالأفكار والمشاعر والسلوك. فالإنسان يكسب وعيًا ذاتيًا بتحليل السلوك ولغة الجسم التي تُعطي تعبيرًا عن المشاعر المكبوتة. وتتضمّن المعالجة بهذه النظرية تمثيل السيناريوهات في أغلب الأحيان واستدعاء الأحلام.
وأما البرمجة اللغوية العصبية من جهة علم النفس فقد جمعت العلاج السلوكي والإنساني الإدراكي والجشتالت بالإضافة إلى عمليات التأثير الإيحائية والتخييلية الأساسية في هذا المجال. فالبرمجة تقوم على تغيير الأفكار (Thoughts) والمشاعر (أو العواطف و الأحاسيس والانفعالات) (Feelings) من أجل إحداث سلوك (Behaviours) ما مطلوب. واللغة وقوة الخطاب التنويمي والإيحائي وقوة التأثير التخييلي هي من أهم العوامل المساعدة على إحداث التغيير المطلوب. ومع تحفّظي الشديد على هذا التقسيم الذي ذكره الدكتور عوض القرني في مكونات شخصية الإنسان الثلاثة (فكر وشعور وسلوك) المأخوذ من نظريات علم النفس المذكورة سلفًا، إلا أنه ليس هذا مجال التفصيل فيه، وله فسحة أخرى بإذن الله تعالى. وهذا التحفّظ نابع من أن المؤثرات المذكورة تخصّ فقط علم النفس، مع أن هناك مؤثرات ومكونات كثيرة أقوى على شخصية الإنسان، وخاصة القدرة والمشيئة الإلهية والجوانب القلبية والروحية منها، وكذلك العوامل الوراثية والبيولوجية والتركيبة البشرية والبيئية والاجتماعية وغيرها.
ومفهوم الأفكار (Thoughts) هنا في علم النفس أو البرمجة اللغوية العصبية هو ما يتفكره الإنسان من نظر وذهن وتصوّر ورأي وتأمّل وظن وأفكار ظنّية لها علاقة بالعقل وراءه وهي نتاجه الفكر. وهي آتية من المصدر الإنجليزي (Think) الذي يعني (أظن) أو (أفكر) . وهنا ينبغي التنبيه إلى أن هناك لبس عند البعض بين المفردات الشرعية والمفردات اللغوية المترجمة. فالبعض يترجم (Think) بكلمة (اعتقد) . وهذا من الأخطاء الشائعة، وخاصة إذا نُطق بالجمع لتصبح (اعتقادات) أو (معتقدات) . فالاعتقاد في الشرع يعني ما عقد عليه قلبه، وهو الجزم واليقين والتصديق القاطع، وهو من أعمال القلوب. وهذا يختلف عن المراد الأجنبي الذي يعني الظن والرأي، وهو من أعمال العقل والفكر.
وبعد هذه المقدمة نرجع إلى تقرير الدكتور الأخ الفاضل عوض القرني بأن الإيمان والتقوى (فكر وشعور) ، فنؤكد على الآتي:
1.إن الفكر هو نتاج العقل والنظر، بينما الإيمان ليس فكرًا البتة وأصله في القلب. والإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح. يقول شيخ الإسلام - رحمه الله - في العقيدة الواسطية: (ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل. قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) . وقال رحمه الله في كتاب الإيمان أيضًا: (وأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله. وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد. وما كان في القلب فلابد أن يظهر موجبة ومقتضاه على الجوارح. وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه. ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه وهي تصديق لما في القلب، ودليل عليه، وشاهد له. وهي شعبة من الإيمان المطلق وبعض له) . وهذا اختلاف كبير يُبطل تقرير الشيخ الدكتور عوض القرني بقوله أن الإيمان والتقوى (فكر وشعور) . ويقول الله تعالى مؤكدًا على ذلك: { قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } (الحجرات: 14) . فالإيمان أصله في القلب وهو الاعتقاد والقول والعمل جميعًا.
2.إن الشيخ حفظه الله في شعاره البرمجي أيضًا، قرّر أن الإيمان والتقوى فكر وشعور، وهذا أيضًا من الخطأ والخلل العقدي. ويؤكد سماحة الشيخ ابن باز -رحمه الله - على أنّ حقيقة التقوى عند أهل السنة والجماعة هي خشية الله بأداء ما أوجبه الله على العبد من الطاعة، واجتناب ما حرّم عليه من المعصية. يقول سماحة شيخنا محمد العثيمين- رحمه الله - في عقيدة أهل السنة: (هذه العقيدة السامية المتضمنة لهذه الأصول العظيمة تثمر لمعتقدها ثمرات جليلة كثيرة. فالإِيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته يثمر للعبد محبة الله وتعظيمه الموجبين للقيام بأمره واجتناب نهيه، والقيام بأمر الله تعالى واجتناب نهيه يحصل بهما كمال السعادة في الدنيا والآخرة للفرد والمجتمع. { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [النحل: 97] ) ) . ا.هـ.