أتانا في الثمانينيّات من القرن المنصرم"ريتشارد باندلر"بمولود جديد لعلم اللسانيات ، كان نتيجة تلاقح بعض أفكار اللسانيات مع علم الإدارة وعلم النفس ، أسموه البرمجة اللغوية العصبيّة تارة ، وهندسة النفس البشرية تارة أخرى ، فأولاها العلماء غاية الاهتمام وعكف بعضهم عليها عدة سنوات ، وكاد الجيش الأمريكي أن يوظّفها لتحسين أداء جنوده لولا الاستشارات التي أجراها فمنعت ذلك . وظهرت مراكزها في بلادنا وبثت وسائل الإعلام محاضرات لبعض رموزها، فانبهر الناس بها ، وهرعوا إلى مراكز تدريبها ، يحدوهم الأمل بتحسين أدائهم والوصول إلى أهدافهم بأسرع وقت وأقصر طريق ، لاسيما بعد سماعهم حملات ترويجها الواعدة بالصحة للمريض والتميز للصحيح .
وإنَّ الناقد هو عين المجتمع الباصرة التي تحصنت بالعلم والعقل مِنْ حملات التشويه والترويج ، فيسعى جهده لوضع الأمور في نصابها ويعطيها حقها غير آبهٍ بمدح أو ذم ، ولا يلتفت إلى قولٍ أو ادّعاءٍ أو ردً لا يدعمه دليل . وسنسعى في هذه الدراسة الموجزة أن نقيِّم هذا الوافد الجديد بميزان نقد علمي ، داعمين رأينا بالبرهان آملين ممن لم تعجبهم هذه المقالة أن يكون ردهم علميًا وموضوعيًا على قاعدة بحث علمية مفادها: الادعاء يستدعي الدليل .
تعريفها ومحتواها:
هي ترجمة لعبارة Neuro Linguistique programming واختصارًا NLP أي البرمجة اللغوية العصبية وهي تشير إلى علاقة وثيقة بين اللغة والأعصاب . ولعل هذه التسمية ، مع أنها لا توافق لمحتواها تشير إلى مؤسسها د .جون غرندر (عالم اللسانيات) الذي استفاد من أبحاث تشومسكي وشاركه في تأسيسها ريتشارد باندلر ووضعا فيها أفكارًا من اللسانيات وعلم إدارة الأعمال ، حيث يحدد الهدف ويرسم الاستراتيجيات اللازمة لبلوغه ومعاودة الكرة وعلم النفس السلوكي وتمارين التخيل واليوغا والتنويم الإيحائي والاسترخاء في قالب منطقي له فرضياته وموازينه .
ويعتبر إبراهيم الفقي أول من أدخله إلى الوطن العربي و د. محمد التكريتي أول من أدخله إلى سورية .
وبإمكاننا أن نقول: إنها طريقة مبتكرة للتفكير و السلوك لها مبادئها و فرضياتها التي سنناقشها تباعا مع وعودها بالصحة و التميز ، ونبين الأسلوب الأمثل للتعامل معها .
المناقشة العلمية للبرمجة اللغوية العصبية
إن أول ما يسترعي انتباه القارئ كلمة فرضيات التي قبل أن نناقش محتواها نؤكد أنَّ كلمة فرضيّة تدل على قضية أو معلومات بدأت بمشاهدات و ملاحظات ثم صيغت على أساسها . و ليكون لها قيمة علمية لا بد من إثباتها علميًا أو بالتجارب مع اعتماد علم الإحصاء ، والتنبه إلى الذرائعية و الربط غير المنطقي و الزلل التراجعي ؛ و يكاد يكون هذا إجماع أهل العلم والمعرفة في وقتنا الحاضر ، أما أصحاب هذا الفن ـNLP طبعًا ـ فهم يضعون الفرضيات دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء البحث و المناقشة ، ثم يطلبون من المتلقين أن يغيروا معتقداتهم و أفكارهم بناءً عليها . ونحن إذ نرضى بعض الفرضيات في علم النفس ، لاسيما المَرَضي ، فذلك لمعالجة مرضى نفسيين لا حيلة لنا معهم إلا بمثل هذه الفرضيات التي يسعى أصحابها لإثباتها علميًا وإحصائيًا ؛ أمّا أن تصبح هذه الفرضيات طريقًا مثلى للناس الأسوياء فهنا تكمن المشكلة برمّتها ، فموضوع النفس موضوع خطير و أمراض النفس شديدة الوطأة صعبة العلاج ، ولا يجوز تطبيق أي معالجة نفسية لا تكون مثبتة بوجهٍ علمي و بمنهج علمي له أسسه ومبادئه التي اتفق عليها العلماء ، وأرجو من الأطباء النفسيين أن يقولوا رأيهم في هذا الأمر لخطورته وتعلّقه بالنفس الإنسانية التي ربما قاد ذلك التدخل لدى الأسوياء إلى أمراض نفسية عصية على العلاج .
ـ وسأستعمل كلمة قالوا عند نقل كلامهم وفي الرد كلمة أقول . . . . ؟
قالوا: هناك محددات للخريطة الذهنية عند كل فرد وسموها المرشحات ، وهي الحواس واللغة والمعتقدات والقيم والبرامج العالية . ولابد للمعلومات الواردة من العالم من المرور بها فالحواس محدودة واللغة لها عيوب تجعل الإنسان يفهم غير المقصود ، والمعتقدات والقيم تجعل الإنسان يتقبل المعلومات التي توافق معتقداته وقيمه ، والبرامج العالية هي طريقة الإنسان في معالجة المعلومات والتعامل معها ، كل هذه الأمور تتضافر لتحدد الخريطة الذهنية عند الإنسان ..
فالفرضية الأولى: الخريطة ليست هي الواقع .
وأقول: إن درجة توكيد المعارف الإنسانية تتفاوت ولكن هل نستطيع أن نحصل على معرفة يقينية ؟ وكيف ؟
إن الإنسان يمتلك من الأدوات المجردة (العقل وأوّليّاته البسيطة أي البدهيات) والحواس ما يمكنه من الحصول على معرفة يقينية ، وإليكم المثال الموضح التالي: يرى إنسان خوخة ذات لون بنفسجي فإذا تيقّنَ وجودَها بالبصر واللمس مثلًا وتيقّن بأن ما يراه وما يلمسه ليس خداع حواس ، فيكون قد حصل على معرفة يقينية بوجودها . وربما يرى إنسان آخر الخوخة ذات لون أحمر قاتم على حين يراها الأول بنفسجية ، وهنا يمكن أن ننسب تأثيرا ً للحواس في إطلاق الحكم مع عِلْمنا أن حقيقة المتناوَل واحدة فعِلْمُنا بوجود الخوخة يقيني وعلمنا بلونها ظني باختلاف الشخص لاختلاف مستقبلاته عن الآخر..
والعلمُ علمان:
1ـ علمٌ يقينيّ: أوضروريّ وهو ما لا يحصل عن نظر واستدلال كالعلم بالبدهيات القائلة: الكل أكبر من الجزء ، لا يصدق النفي والإثبات بآن واحد ، لكل فعل فاعل ، وكذلك العلم الواقع بإحدى الحواس الخمس ولكن في ضوء تمحيص العقل .
2ـ علمٌ كسبيّ: وهو الموقوف على النظر والاستدلال ، ولا يخفى هنا تأثير التجارب في تفتح المعارف واكتسابها ، وتقدم العلوم التجريبية وما يرافقها من اكتشافات وابتكارات ..
ولئلا يحصل التباس ، أبيّنُ مُرادي بكلمة النظر و الاستدلال
فالنظر: هو جولان الفكر في حال المنظور إليه . والاستدلال: ببساطة ، طلب الدليل . والظن: تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر . والشك: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر ..
ولابد للمعارف الداخلة في الاعتقاد أن تكون يقينية قطعية تعود إما إلى أوّليات عقلية أوالحواس ، وما سواها لايكون يقينيًا بل يكون تارة ظنيًا ونشك فيه تارة أخرى عند عدم وجود مرجّح ، ونطلق على العلم اليقيني كلمة اعتقاد .
أما الفلسفة فهي دراسة المبادئ الأولى وتفسير المعرفة تفسيرًا عقليًا . واقتصرت في هذا العصر على المنطق والأخلاق وعلم الجمال وما وراء الطبيعة ..
ونجد هنا أنّ أوّل تطبيقات فرضيتهم (( الخريطة ليست هي الواقع ) )هو تسفيه المعارف الإنسانية لاسيما القطعية منها المحصلة عن طريق الحواس في ضوء تمحيص العقل أو الاستنتاج العقلي المُلْزِم المستند إلى البدهيات . وقديما ً قالوا:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
وهل خلّد التاريخ اسم ديكارت في ميدان الفكر إلا بمثل قوله (( أنا أشك إذا ًأنا موجود ) )وبذاك انتقل من عملية الشك إلى يقين الوجود فدحض مذهب الشكيين الشائع آنذاك وكذلك أرسطو الذي فنَّدَ مزاعم السفسطائيين الذين كانوا يحاولون إثبات الأمر وضده وأوضحَ الخلل الفكري والمزالق التي وقعوا بها . فهل يريد مروجو الـ NLP أن يعيدونا إلى تيه الشكيين وزيغ السفسطائيين . ونراهم في زعمهم هذا يركزون على عوامل التشويه في اكتساب المعارف وكأنها الأصل فيقولون إن الحواس تخدع ولها حدود ، واللغة لها عيوب ويخلطون بين اللغة وتشويه مستعمليها فيقولون: عيوب اللغة: