فهرس الكتاب

الصفحة 2404 من 3028

هذه العبارة جزء قاعدة من قواعد السلف في الاعتقاد تتمتها ( والاعتماد على الأسباب شرك يرق ويغلظ ) فهي كلام حق وقاعدة صحيحة ولكن لابد من نظر صحيح في الأسباب والمسببات فقد ضل في هذا الباب كثير من الناس ، والمهتدون فيه - باب الأسباب والمسببات- لا يثبتون سببًا إلا إذا ثبت بنقل صحيح أو دل عليه عقل صريح ، وهم يقدّمون ما ثبت من الأسباب المشروعة على غيره لإيمانهم وتمام توكلهم على ربهم سبحانه وتعالى ، يقول ابن تيمية في وصفهم:"يؤمنون بأن الله يرُدُّ بما أمرهم به من الأعمال الصالحة والدعوات المشروعة ما جعله في قوى الأجسام والأنفس ، ولا يلتفتون إلى الأوهام التي دلت الأدلة العقلية أو الشرعية على فسادها ، ولا يعملون بما حرمته الشريعة ، وإن ظن أن له تأثيرًا ، وبالجملة فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض السبب ، أو شرط السبب ، في هذا الأمر الحادث قد يعلم كثيرًا ، وقد يظن كثيرًا ، وقد يتوهم كثيرًا وهمًا ليس له مستند صحيح ، إلا ضعف العقل" [3] . وقال:"جميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرًا في العالم وهي محرمة في الشرع كالتمريجات الفلكية ( تخرصات الفلكيين في تأثير الأفلاك ) ، والتوجهات النفسانية ، كالعين ، والدعاء المحرم ، والرقى المحرمة ، أو التمريجات الطبيعية ( ما ركب عليه البدن من الطبائع) ونحو ذلك ، فإن مضرتها أكثر من منفعتها حتى في نفس ذلك المطلوب ، فإن هذه الأمور لا يطلب بها غالبًا إلا أمور دنيوية ، فقلّ أن يحصل لأحد بسببها أمر دنيوي ، إلا كانت عاقبته فيه في الدنيا عاقبة خبيثة ، دع الآخرة. والمخفق من أهل هذه الأسباب أضعاف أضعاف المنجح ، ثم إن فيها من النكد والضرر ماالله به عليم فهي في نفسها مضرة ، ولايكاد يحصل الغرض بها إلا نادرًا وإذا حصل فضرره أكثر من نفعه".

تذرعهم ببعض منافع حدثت لهم أو على يديهم ، وقولهم: ثبت نفع هذه التطبيقات بالتجربة:

لا شك أن الشيطان يزين الباطل ويجمله بما يظهره نافعًا وقد يحقق بأسباب الباطل نفع ظاهر ، ومن ذلك ما بينه ابن مسعود رضي الله عنه في قصته مع امرأته عندما كانت تجد النفع عندما تتداوى بغير المشروع لمرض عينها فتبرأ فقال لها:"إنما ذلك عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقيتها- رقية غير مشروعة- كفّ عنها، إنما يكفيك أن تقولي: أذهب الباس رب الناس اشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا"ثم أنه لابد لإثبات النفع من منهجية علمية ، وفهم دقيق لقانون السببية ، فليس الاقتران الذي يحدث بين حصول نفع وتطبيق أمر ما كافٍ على القول بأنه سببه ، قال ابن تيمية:"أن الشيطان زين لهم نسبة الأثر إلى مالا يؤثر نوعًا ولا وصفًا ؛ فنسبته إلى وصف قد ثبت تأثير نوعه أولى أن يزين لهم"، ثم أن مقياس النفع عند المسلم لا يطلق على النفع الدنيوي المجرد ، بل يخضع لتصورات المسلم الممتدة للحياة في الدنيا والآخرة فالنفع الدنيوي البحت لا يمكن اعتباره نفعًا إلا إذا لم يكن له ضرر ديني . لهذا بين ابن تيمية يرحمه الله أن الذي ثبت نفعه حقًا بالتجربة هو الدعاء المشروع فقال:"دعاء الله وحده لا شريك له دل الوحي المنزل والعقول الصحيحة على فائدته ومنفعته ، ثم التجارب التي لا يحصي عددها إلا الله فتجد المؤمنين قد دعوا الله وسألوه أشياء أسبابها منتفيه في حقهم ، فأحدث الله لهم تلك المطالب على الوجه الذي طلبوه ، على وجه يوجب العلم تارة والظن الغالب الأخرى" [4] . وثمة أمر آخر وهو أنه ليس كل مافيه نفع يكون الأخذ به مباح، فالنفع ليس ميزان القبول والرد وإنما شرع الله هو الميزان فمن المعلوم أن السحر الذي قد يؤدي قطعًا لحصول نتائج مطلوبة ومنافع دنيوية متيقنة عند أصحابه محرم في الشريعة وكذا في الخمر والميسر ، وعماد ذلك التفريق بين القدر الكوني والقدر الشرعي قال ابن تيمية: ( أمور قدرها الله قدرًا كونيًا وهو لا يحبها ولا يرضاها وتكون فتنة لبعض خلقه ومن ذلك الأسباب المحرمة المحصلة لنفع ما فإن الأخذ بها موجب لعقابه وسخطه ، بينما الأمور التي قدرها الله قدرًا شرعيًا فهو يحبها ويرضاها كالدعاء المشروع والصلاة والصيام ونحوه) [5] .

قولهم هذه التطبيقات وأفكارها تتوافق مع الدين ، وتقود لما تدل عليه نصوص الوحيين .

الحق أن كثيرًا مما في هذه الأفكار وتطبيقاتها يتعارض مع الدين وينقضه وإن اشتبه على بعض الناس ، كما أن فيه بعض ما يتوافق مع الدين إذ أن العقل الصحيح - كما هو معلوم- يمكن أن يوصل إلى الحق في عالم الشهادة ، ولكنه لايوصل إلا إلى حق مجمل في عالم الغيب . فما كان في هذه الأفكار من موافقة للدين فهي من باب دلالات العقل الصحيحة في أمور عالم الشهادة ، والمسلم المستضيئ بنور الله يُعمل عقله في أمور الحياة - عالم الشهادة- التي لم يأت بتفصيلها الوحي وندبه على التفكير فيها ، ولكنه لايعدل عما جاءه عن الله بالوحي ؛ فالنقل عنده مقدّم على العقل ، ناهيك عن احتمال ضعف العقل وفساد دلالته ، ومن هنا كان شعور المؤمن بنعمة الرسالة عظيم فإرسال الرسل يغني العقل عن مخاطر التجربة في الواقع ، في معرفة الضار والنافع من الأغذية والأدوية [6] وغيرها، ولذا كان التوجيه الرباني:"فاستمسك بالذي أُوحي إليك"والتوجيه النبوي:"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي"، ومن نور هذه المشكاة كانت وصية السلف رضوان الله عليهم:"على المسلم الاعتصام بالكتاب والسنة ، وأن يجتهد في أن يعرف ما أخبر به الرسول وأمر به علمًا يقينيًا، وحينئذ فلا يدع المحكم المعلوم للمشتبه المجهول ، فإن مثل ذلك مثل من كان سائرًا إلى مكة في طريق معروفة لا شك أنها توصله إلى مكة إذا سلكها فعدل عنها إلى طريق مجهولة لا يعرفها ولا يعرف منتهاها ، وهذا مثال من عدل عن الكتاب والسنة إلى كلام من لايدري هل يوافق الكتاب والسنة أو يخالف ذلك .وأما من عارض الكتاب والسنة بما يخالف ذلك فهو بمنزلة من كان يسير على الطريق المعروفة إلى مكة فذهب إلى طريق قبرص يطلب الوصول منها إلى مكة . فإن هذا حال من ترك المعلوم من الكتاب والسنة إلى ما يخالف ذلك من كلام زيد وعمرو كائنًا من كان فإن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد رأيت في هذا الباب من عجائب الأمور مالا يحصيه إلا العليم بذات الصدور" [7]

ثم أننا لو سلمنا جدلا بأنها تتوافق مع الدين فأخذ التطبيقات والتدريبات والألفاظ والمصطلحات منها لا من الدين استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير ، وعدول عن المشروع إلى غير المشروع ؛ فتعتاده النفوس وتأخذ حظها منه وقد تستغني به عن المشروع وذلك هو الخسران المبين قال شيخ الإسلام: ( من شأن الجسد إذا كان جائعًا فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام آخر، حتى لا يأكله إن أكل منه إلا بكراهة وتجشم ، وربما ضره أكله ، أو لم ينتفع به ، ولم يكن هو المغذي له الذي يقيم بدنه ، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته ، قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به ، بقدر ما اعتاض من غيره بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع ؛ فإنه تعظم محبته له ومنفعته به ، ويتم دينه ، ويكمل إسلامه ) [8] .

تذرعهم بدعوى"الأسلمة"فيقولون نحن"نُفلتِر"هذه الوافدات وننقيها ، ونأخذ الصحيح منها مع الاستدلال عليه بالآيات والأحاديث ، وهذا الصحيح إنما هو من ديننا أصلا ولكننا غفلنا عنه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت