والدعاة إلى الله هم وسائل تحمل رسالة الله للناس، وهم أهل العلم والاختصاص: [[فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] ] [التوبة: 122] .
والمتلقي للرسالة هي البشرية جميعها، بل والجن أيضًا، حيث إن الرسالة الإسلامية تخاطب الإنسان لأن مادتها الإنسان ذاته: [[الّر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ] ] [إبراهيم: 1] ، [[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً] ] [النساء: 1] .
ثانيًا: قدرة الدعوة الإسلامية على استيعاب الوسائل المتاحة:
نظرًا لأن هذه الدعوة هي قَدَر هذه الأمة وغايتها: فقد أصبح لزامًا عليها أن تبحث عن كل الوسائل المتاحة والممكنة للقيام بوظيفة البلاغ المبين وتقديم رسالة الإسلام.
وإذا كان الغرب قد حقق تقدمًا في وسائل الإعلام وتقنياته فإن الإسلام لا يقف حائلًا دون الاستفادة من هذه التقنيات لتكون في خدمة الدعوة الإسلامية إذا ما توفر شرطان أساسان:
أ - أن يكون استخدام الوسائل لا يعني بالضروة نقل الأفكار والاتجاهات.. فالوسائل أجهزة محايدة تنقل ما يطلب منها.
ب - أن يكون استخدام الوسائل الحديثة لا يعني فساد الوسائل الرئيسة في الدعوة الإسلامية، التي جاءت في الهدي القرآني والسنة المطهرة، وبالتالي: لا يعني تركها وإبعادها عن الاستخدام في الساحة الإعلامية.
وبذلك فإن الأمة الإسلامية تستطيع تقديم رصيدها الثقافي والحضاري مستفيدة من التطور التقني في مجال وسائل الإعلام الحديثة بجانب ما تتمتع به الوسائل الإسلامية المتميزة في مجال الدعوة الإسلامية من فاعلية وقدرة على المعايشة والاستمرار، بل إن الوسائل التقنية الحديثة يمكن استيعابها ضمن الوسائل الإسلامية المتميزة، مثل: استخدام التسجيلات ومكبرات الصوت في المساجد التي تعتبر منابر حية للدعوة الإسلامية، وكذلك في مجتمعات المسلمين التعبدية مثل صلاة الجمعة ومواسم الحج، فإن الأقمار الصناعية الحديثة وما تقدمه من خدمات إعلامية عالية تقوم بدور كبير إذا ما أحسن استخدامها للإعلام بالرسالة الإسلامية، ليس فقط على المستوى المحلي بل على المستوى الدولي والعالمي.
وتظل العبرة قائمة بمدى الاستفادة التي تفيد منها الدعوة الإسلامية من كافة المخترعات الحديثة في كافة المجالات والنظم، حيث إن الأصل هو نشدان رضا الله بخدمة الإسلام في مجالات العلوم الضرورية لرقي الأمة المسلمة وعزتها، وهذا الشرط ليس ضروريًّا لكل جهد يسهم بقصد أو عن غير قصد في مسيرة التطبيق الإسلامي؛ فكم من كافر أسهم في إثراء العلوم الإسلامية، وكم من مسلم أسهم في تشويه التراث المعرفي للإسلام، فالعبرة إذن بنتيجة المساهمة، فإن كانت موافقة للإسلام فلا مانع من الاستفادة منها، وعلى ذلك يتأكد أن استخدام ما أنتجه الغرب ـ غير المسلم ـ ليس كله مرفوضًا لمجرد أنه غربي غير مسلم، بل إن الرفض والقبول يتوقفان على ما يحقق لهذا الدين من نفع وانتشار، مع التفريق بين نية المسلم في الاستخدام والاستفادة ونية الكفار في الاختراع والإنتاج.
ثالثًا: تمايز المسيرة الإسلامية و متعلقاتها:
إذا كان الغرب قد رفض الدين نتيجة لمواقف معادية وتناقضات بين تطلعات الناس وما فرضه رجال الدين عندهم من قيود.. فإن العالم الإسلامي لم يصطدم يومًا بأصول عقيدته، وإذا كانت بعض السلبيات قد ظهرت في مجال الأسلوب الدعوي، فإن مَرَدّ ذلك يعود غالبًا إلى التطبيق الخاطئ الصادر عن فهم بعيد عن الأصول الثابتة، وليس خطأ في أصل الشريعة ومنهاجها... ذلك لأن الإسلام يتمتع بمصدريه الأساسين الثابتين [القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، التي وصلت بحمد الله إلى درجة عالية من التوثيق والثبات، فضلًا عن حفظ الله [سبحانه] للقرآن الكريم [[إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] ] [الحجر: 9] ،] وظل هذان المصدران ـ وسيظلان بإذن الله ـ مرجعًا موثوقًا لكل من يريد البحث والاستقصاء، وفيصلًا لكل خلاف يخرج بالمسلمين عن الأصول الشرعية الكبيرة.
ومن جانب آخر: فإن الدين الإسلامي لم يكن بمعزل عن الحياة البشرية والنشاط اليومي بما يحمله من توجيهات للمسلم بضرورة الذكر المتصل، والعبادة بأوقاتها المحددة، وضوابط التعامل اليومي في الأسرة والجماعة والمجتمع، بجانب أخلاقيات العلاقات الدولية في السلم والحرب.
وبذلك: فإن الإسلام يحمل إعلامًا لا يحتمل ما حدث من انفصام بين الخطاب الديني والخطاب الدنيوي [كما حدث في الغرب] ، حيث ظلت له القدرة على تحقيق المصالح الدنيوية وإرضاء أذواق الناس وحاجاتهم من المتعة والتسلية ضمن إطاره الذي لا يخرجه عن الشرع الذي أباح كل هذه الأنشطة وفق شروطها بعكس الرسالة الإعلامية التنصيرية من محطات نصرانية.
وبذلك: فإن الرسالة الإعلامية الإسلامية تتعدى إلى مجالات متنوعة دون التقيد بحيز ضيق، حيث إن الدعوة الإسلامية هي دعوة للإيمان، مقترنة بالدعوة إلى العلم، والعبادة، والعمل، والفكر، وتنمية الروح والوجدان... ويظل الفصل بين ما هو ديني وما هو غير ديني أمرًا ترفضه طبيعة الإسلام ويؤثر كثيرًا على الرسالة الإعلامية المسلمة؛ إذ يحصر العقيدة والدين في مكان ضيق ويبعده عن مفهومه الواسع، والأمر إذن يتطلب رفض الاتجاه الغربي الذي يقدم القضايا الدنيوية والحياتية بعيدًا عن قيم التوجه الأخلاقي، حيث تتحلل هذه القضايا من الالتزام بهذه القيم.. مما أوجد حشدًا من الصحف والمجلات والوسائل الإعلامية المسموعة والمرئية [في الغرب] تمارس ألوانًا من الفساد والتضليل والانحلال، تسرب معظمها إلى بلاد المسلمين في غيبة الالتزام الإسلامي الصحيح، فأصبحت تهدد أبناء الأمة في أعز ما تملكه من قيم ومبادئ.
المنطلقات الأساس للإعلام الإسلامي:
إن الإعلام باعتباره نتاجًا لنشاط بشري إنما يأتي معبرًا عن قيم ومبادئ وأفكار المصدر الذي تصدر عنه الرسالة الإعلامية... فقد جاء الإعلام الغربي متأثرًا بالمادية، باحثًا عن اللذة والرفاهية، بينما كان الإعلام الشيوعي مدعّمًا بمفاهيم الإلحاد وسيطرة الطبقة العاملة، في حين أن الإعلام النازي كان يركز على سيادة الدم الأزرق والعنصرية القومية، معلنًا شعار [ألمانيا فوق الجميع] .
وتتفق كل هذه الاتجاهات على تأصيل السيطرة وبسط النفوذ الفكري والاقتصادي على كافة الشعوب النامية لضمان التبعية والخضوع لها.
ويأتي الإعلام الإسلامي مختلفًا في منطلقاته؛ حيث يعبر عن الإسلام دين القيم والمبادئ، التي تتمثل فيما يلي:
1-منطلق العقيدة التي تقوم على فطرة البشر، وتستقيم مع متطلبات الحياة الإنسانية، وتعطي للفرد معنى الحرية من قيود الدنيا وشهواتها، فلا يخضع إلا لله رب العالمين وبذلك تتحقق حرية التعبير والسلوك والفكر في إطار تحكمه قيم السماء؛ لأن الهدف هو إرضاء الله [تعالى] وليس المكسب الدنيوي فقط.
2-منطلق العلم، الذي هو طريق المعرفة، فقد جاءت آيات الله [سبحانه] واضحة، تفرق بين العالم والجاهل، والرسالة الإعلامية تؤتي ثمارها بقدر ما يتوفر لها من زاد علمي صحيح.