فهرس الكتاب

الصفحة 2235 من 3028

علمًا بأنه لا يوجد في أمريكا ولا في غيرها مدفع عملاق، وحين علم صدام حسين به أرسل له مباشرة ووقع معه اتفاقًا سريًا، وشرعوا في العمل ... وجيء بقطعة عملاقة، وعندها اكتشفت للمخابرات البريطانية الخبر وأمسكت السفينة ...

وكان مدى هذا المدفع أكثر من ألفي كيلو متر ... أي أبعد من إسرائيل ويغني عن الصواريخ في الوصول إلى الهدف المطلوب ..

ومع هذا استمرت محاولاته المستميتة لتحقيق وعده ...

ولقد بدأ الرئيس العراقي بمفردة عربية غريبة ، حين فكر بإنشاء جيل من العلماء العراقيين الكبار، فكان يسمى [أبو العلماء] ، فلقد جعل جلّ وزرائه من أساتذة الجامعات وحاملي شهادات الدكتوراه، ومنهم علماء كبار في علوم الذرة كالدكتور [عامر رشيد] وزير النفط العراقي وزوجته العالمة الجرثومية المسماة في أمريكا بـ [الجرثومة] ، وعالم الذرة الدكتور [همام عبد الخالق] وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو مطلوب لأمريكا وإسرائيل قبل الحرب، وقد أشاعوا أنه سلم نفسه ... والله أعلم بالحقيقة .

ثم أنشأ جيلًا كبيرًا من العلماء، وأغدق على إبداعاتهم، وأنفق على دراستهم في الخارج وأتى بهم إلى العراق ووفر لهم ما يريدون، وأنشأ لهم وزارة أسماها: وزارة التصنيع العسكري، وهيئة كبرى اسمها: هيئة الطاقة الذرية ... وأتى لهم بعلماء ذرة من روسيا المتفككة وغيرها ... وما يأتي بعالم إلا ويجعل العراقيين يصحبونه، حتى يأخذوا عنه علمه .

وللحقيقة التاريخية المتيقن منها نقلًا عمن سمع صدام نفسه، أن العلماء العراقيين بلغوا أكثر من سبعين ألف عالم متخصص، وهاهم اليوم في أرض العراق كل واحد منهم ثروة سائبة لا يساوي شيئًا، مع أن الحقيقة أن بئر النفط لا يساوي عالمًا واحدًا منهم، لكنهم أصبحوا بعد صدام ثروة بلا حام، وصغارًا كالأيتام، وأصفارًا بلا أرقام ... كيف وقد كان الأهل والأرحام من كثير من الدول العربية يتشفعون عند صدام كي يسلمهم إلى عدوهم من أجل أن يحققوا معهم ... لكنه أَنِفَ من هذا الخلق ولم يفعل كما فعل الرئيس الليبي معمر القذافي بأصحاب ' لوكربي '، حتى قامت الحرب فعلًا وهو ثابت، ولا أحد من الأهل والأرحام اليوم يجرؤ أن يأوي واحدًا منهم في بلده ... لتدخل إسرائيل فرقًا خاصة للبحث عنهم في جنبات العراق .. هذا إن بقي أحد منهم حتى اللحظة في العراق، ومنهم من لجأ إلى إيران حتى ينجو بنفسه وقد كانت الفرحة الإيرانية كبيرة بهم، فهم من سيرفعون من مستواها النووي، ويا حسرتا على مثل هذه الكنوز العراقية والتي ستجعلها بلا شك إيران أدوات في توسيع نفوذها و إرهابها في منطقة الخليج بالذات .

والواقع أن ما وجدته أمريكا من الوثائق السرية العسكرية في الملفات العراقية يساوي عندها احتلال العراق كله، فبها طوقت أعناق بلدان، وبها كشفت أسرار شركات، وبها عرفت علمًا وعلماء ... وبها قفزت على الجراح بالحراب .

ولم يكن هؤلاء العلماء صورًا ولا أسماء بلا حقائق .. بل شهدت السوح لهؤلاء العلماء بإنتاج عجيب، وليس إنزال أو إسقاط طائرة الاستطلاع الأمريكية أمرا سهلا، ولا إنشاء مئات المنشآت العسكرية شيئا قليلا ولا صناعة طائرة استطلاع أمرا تافها .. ويبقى الاكتفاء الذاتي من قطع الغيار للمصانع العراقية والآليات إنجازًا لم تستطع الدولة المطلقة السراح الوصول إليه فكيف بالعراق المكبل من أكثر من عقد من الزمن ...

لكن كل ذلك ... وغيره أصبح اليوم تاريخًا سيئًا..!

الموقف الثالث ـ الانتفاضة الفلسطينية:

وجدت الانتفاضة الفلسطينية من نظام صدام ما لم تجده من كثير من الدول التي تنادي بحب فلسطين ... هذا إن وجدت منها أكثر من مواد إغاثية أو إعانات لصندوق المنظمة تصرف في كل شيء إلا فيما يقوي الانتفاضة ...

وقد كانت المعونات العراقية مركزة بالدرجة الأولى على ما يسعر الانتفاضة ... وكان منها السرية ومنها العلنية، وأعلم الناس بهذا هم الإسرائيليون والمجاهدون الفلسطينيون واسألوا قادة حركة حماس سؤالًا خاصًا لا أمام تلفاز أو جهاز تسجيل فالخبر عندهم يقين ... نعم إن إسرائيل تعرف ذلك جيدًا ... وإلا كيف تضع وزيرًا خاصًا بالعراق اسمه وزير الدولة للشؤون العراقية ...

وفي آخر زيارة شارون لأمريكا قال بوش لشارون: لعل الانتفاضة أتعبتكم وآذتكم ..؟! فقال شارون: 'إن الانتفاضة مثل الزكام .. أما العراق فهو الصداع النصفي ..!'.

وقد قال بوش وطاقمه مرارًا وتكرارًا: 'بأن السلام بين إسرائيل والعرب لن يتحقق مادام صدام في السلطة، وسنتمكن من تحقيق السلام بعد زوال هذا النظام ؟!'

وقال أيضًا 'ولن نتمكن من تحقيق مشاريع السلام ومشروع خارطة الطريق إلا بذهاب صدام ! وسيكون العالم أكثر أمنًا بذهاب صدام ...' أي أمنًا لهم ولليهود .

وآخر ما سمعنا ما نقلته إذاعة سوا الأمريكية الناطقة باللغة العربية عن وزير الخارجية كولن باول وذلك في 3-7 - 2003 م في تمام التاسعة وسبع عشرة دقيقة مساءً عندما صرح بقوله: ' لقد آن للعراقيين وغيرهم من دول الشرق الأوسط أن يمدوا يد السلام للإسرائيليين بعد ذهاب دكتاتور العراق' ويقصد به صدام حسين .

وقد صرح شارون تلفزيونيًا قائلًا: لم تستعد دولة مثل استعداد إسرائيل لهذه الحرب. ولذا فقد كانت فرحة اليهود الإسرائيليين بسقوط بغداد أعظم من فرحة الأمريكان أنفسهم، حتى قال بعض مسئوليهم: 'الآن يعيش الإسرائيليون بأمان'. وهذا التصريح في الإذاعة الإسرائيلية، ولو رصدت ردة فعل اليهود بسقوط بغداد، لأظهرت أنها كانت في نظرهم أكبر من احتلال بلد ... إنما كانت تعني سقوط نبوءة النهاية لدولة إسرائيل على يد هذا الآشوري ...

ومع هذا، وحتى تلك اللحظة وبعض الذين يعيشون على أوهام الأوهام يقولون إنه عميل لليهود ... حتى جاءت الضربة للعراق ... فقالوا: استنفذ دوره وجاؤوا بغيره !

ولو عاد غدًا لقالوا: ظهرت اللعبة ... ! ... وهكذا .. سلسلة لا تنتهي أبدًا .

وكأن أمريكا ما ابتدأت بالضربة الأولى التي سمتها [ قطع رأس الأفعى ] ، وكأنها ما تقصّدته مرارًا، وكأنها ... وكأنها ...

وإلى متى ...؟

ولماذا يطبق صدام حسين كل هذه التطبيقات العملية الشرعية ـ التي ذكرنا بعضها ـ لمدة عشر سنوات ؟

لماذا يبني جيلًا ..؟

لماذا لم يجعله مجرد كلام ....؟

لماذا ...؟ ولماذا ؟ ولماذا ؟

ثم لماذا لم يتبع سياسة اليهود في إفساد الأخلاق، ونشر الأفيون في شعبه .. لماذا ..؟

ولماذا ظهر رأس اليهود بمجرد سقوط رأسه ... وجاء الحاخامات لينشئوا فجأة في بغداد خمس معابد يهودية، كما نشرتها الصحف بتاريخ 23 / 4 / 2003 .

وهاهم يرون اليوم الحقيقة، وكيف أصبح الباب الإسلامي مفتوحًا على مصراعيه أمام الإسرائيليين لا يستطيع أن يمتنع من مال ولا أمر، حتى أن الإنسان أصبح يشفق ـ والله ـ على بعض المسؤولين العرب وعلى المسؤولين السوريين خصوصًا الذين كانوا يرددون أقوى العبارات والمصطلحات، ويشنون أقسى الهجمات الخطابية على أمريكا، أما اليوم فيراهم الرائي وقد تغيرت نبرتهم تمامًا، أما رئيسهم فما عاد يصرح تصريحًا علنيًا، وأما الشرع فقد كانت حالته صعبة في مؤتمره الصحفي مع وزير الخارجية المصري، واضطرب مندوبهم الدائم في الأمم المتحدة وهو يتصل بالهاتف مع الجزيرة.

فليسأل هذا المتوهم نفسه: على من كان يستند أمثال هؤلاء يوم أن كانوا شجعانًا ؟

أليسوا مازالوا جميعًا موجودين على كراسيهم وفوق عروشهم ؟

فماذا تغير، ومن الذي غاب عن الساحة ...؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت