فهرس الكتاب

الصفحة 2222 من 3028

إنَّ من أهمِّ لوازم الجماعة المسلمة التي تريد أن تحقق النصر لأمتها وتكون خير أمَّة أخرجت للناس أن تبتعد كل البعد عن دواعي الترف، والحياة المخملية ، والركون إلى الرفاهية ، وقدْ وصَّى بذلك الخليفة الراشد: عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- بعض عمَّاله العرب وهم في بلاد العجم: [ إياكم والتنعم وزي العجم، وعليكم بالشمس فإنها حمَّام العرب،وتمعددوا،واخشوشنوا،واخشوشبوا،واخلولقوا] انظر/اقتضاء الصراط المستقيم/لابن تيمية ـ رحمه الله ـ

ولهذا لمَّا تربى الرعيل الأول وجيل الصحابة الأفضل على حياة الخشونة ، والانقشاع من حياة الأثرة والأُبَّهَة فتحوا البلدان ومصَّروا الأمصار ، لأنهم لم يتعلقوا بزخرف الدنيا الفاني، ولا نعيمها الزائل ، فلله درُّهم.

قال أبو أمامة- رضي الله عنه- [ لقد فتح الفتوح قوم ما كانت حلية سيوفهم الذهب ولا الفضة إنَّما كانت حليتهم القلابي ، والآنك ، والحديد] أخرجه البخاري برقم [ 2909]

ليس المروءة أن تعيش منَعَّمًا وتظل معتكفًا على الأقداح

ماللرجال وللتنعم إنما خلقوا ليوم كريهة وكفاح

قال الشيخ المجاهد عبدالله عزَّام ـ رحمه الله ـ [ لقد رأيت أنَّ أخطر داء يودي بحياة الأمم هو داء الترف الذي يقتل النخوة.. ويقضي على الرجولة.. ويخمد الغيرة .. ويكبت المروءة] انظرـ عبدالله عزَّام/ لمحمد العامر/ ص119.

ويكفي أن بطر العيش من أسباب هلاك الأمم ، قال تعالى: [ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلًا ] القصص [58]

فمن الأهمية بمكان أنت يعي جيل النصر المنشود هذا الأمر كامل الوعي ، وأن يحذر منه ، فكم حذَّر منه أهل العلم والجهاد ، وعلموا أنَّه من أكبر العوائق عن المطالب العلى ، وأنَّه مفتِّر للهمَّة ، مثقل للعزيمة ، فكيف يكون من بُلِيَ به ناصرًا لدينه ، وهل تسترد الأمجاد والدول بخِرِّيْجِي القصور والفنادق، أم بخرِّيجي المعارك والخنادق؟! ولذلك نصر الله رسوله ، وأنجز وعده حين ذاق مرارة الجوع ، وقد أخبر ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن نفسه بشيء من تلك المعيشة فقال: [لقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أوذيت في الَّله وما أوذي أحد ، ولقد أتت عليَّ ثلاثون ـ من بين يوم وليلة ـ وما لي طعام يأكله ذو كبد إلَّا شيء يواريه إبط بلال] أخرجه أحمد 3/120، والترمذي برقم2472، وابن ماجه برقم151، وابن حبَّان 14/ برقم6560، وهو حديث صحيح.

[8] [ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم] :

لا أظنُّ أنَّ مسلمًا يختلف معي في أهمية أن يكون المسلمون صفًَّا واحدًا قبالة أعدائهم ، غير مختلفي القلوب والمنهج ، فوحدة الصف ، وجمع الكلمة ، من أهمِّ الأمور المعينة على نصر الله ، وقد جاء في صفة الزمرة الأولى التي تدخل الجنَّة أنهم [لا اختلاف بينهم ولا تباغض ، قلوبهم قلب واحد ] أخرجه البخاري [4/143]

لهذا فلا المنهج الإلهي ولا القانون البشري أوضحا أنَّ الأمة المختلفة والمتناحرة والضعيفة من الداخل تستطيع أن تتغلب على الخطر الذي يداهمها من الخارج ، فإنَّ ذلك أمر مستحيل و [ في المنطق الرياضي تنابز القوى الإيجابية تكون المحصِّلة فيها صفرًا، فكذلك في المنطق الإسلامي تكون المحصِّلة فيها صفرًا [ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم] الأنفال [46] مابين القوسين مقطع من كلام الدكتور منير الغضبان في مجلَّة البيان عدد [201] صـ55

ومما يحزن له المسلم في هذا العصر حين يرى ذلك التفرق والاختلاف المذموم بين كثير من فئات الحركات الإسلامية ، وتشكيك كلِّ حركة بالأخرى، وفرض كلِّ حركة على أتباعها نوعًا من الوصاية الفكرية ، فلا تجدهم يقرؤون إلا لمنظري الحركة ، وعلمائها ، ولو علموا أن أحدًا من أتباعهم يقرأ لغيرهم لشنُّوا عليهم حملة عارمة لا هوادة فيها، وذنبه لأنه اطَّلع على غير كتب حركته فقط ، وقد يكون هذا الشخص غير موافق على ما طُرِحَ فيها ولكنّهَ يريد أن يقرأ للآخرين ويعرف توجهاتهم ، ومنطلقات أفكارهم ، فالله المستعان!

وقد صدق أحد الشعراء حين قال مشخِّصًا اختلاف كثير من أتباع الجماعات الإسلامية ، وتفرقهم وتعصبهم:

وما شكواي أو شكواك إلا لفوضى في المجامع وانقسام

ترى كلًا له أمل وسعي وما لاثنين حولك من وئام

لكل جماعة فينا إمام ولكنَّ الجميع بلا إمام

وبعد أن رأى الكفار هذا التفرق الذي يدبُّ في أمتنا ، ويفرق بين صفوفها استولوا على كثير من أقطارها لانعدام الوحدة الإسلامية ، وهذا ديدنهم في كل حين ، حين يروا أهل الإسلام قد اختلفوا وتشرذموا فرقًا وأحزابًا كل حزب بما لديهم فرحون ، فإنهم سيلتهمون بلاد الإسلام ، وقد نبه إلى هذا الملمح الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بقوله: [ وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن بينهم في المذاهب وغيرها، حتَّى تجد المنتسب إلى الشافعي يتعصَّب لمذهبه على مذهب أبي حنيفة حتى يخرج عن الدين ، والمنتسب إلى أحمد يتعصَّب لمذهبه على مذهب هذا أو هذا ، وكلُّ هذا من التفرق والاختلاف الذي نهى الله ورسوله عنه] ا . هـ مجموع الفتاوى [22/254]

فمن الفطنة إذًا أن نردم الشقاقات بين أنفسنا وأن نتلاقى لقاءً إيمانيًا أخويًا ، ولِنُفَّوِّتَ على أعدائنا فرصة الفرحة بوقوع الخلافات بين الإسلاميين أو تثميرها واستغلالها لصالحهم.

لكن لا يمنع ذلك الاختلاف في وجهات النظر ، ولا يمنع إذا وقع أحدًا من أهل العلم بخطإٍ أن يبين خطئه ، ففرق بين تبيين الخطأ للناس مع وجود الرابطة الأخوية التي تجمع بين الراد والمردود عليه ، وبين من إذا أخطأ أحد العلماء أو المجاهدين أو الدعاة أن يكون ذلك بداية للانشطار والتطاحن الفكري، والذي يكون أكثره ليس لله بل لحظوظ النفس ورغباتها، أو للحزبية المقيتة المُنْتَّسَبِ إليها.

ومن جميل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في هذا المقام: [وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتَّبعوا أمر الله ـ تعالى ـ في قوله: [فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا] النساء [59] وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة ، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية ، مع بقاء الألفة والعصمة ، وأخوة الدين .

نعم من خالف الكتاب المستبين ، والسنَّة المستفيضة ،أو ما أجمع عليه سلف الأمَّة خلافًا لا يعذر فيه ، فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع] مجموع الفتاوى لابن تيمية [24/172]

ومن أكبر ما يجمع الناس، ويوحد صفوفهم، بعد الإيمان بالله ـ تعالى ـ وإخلاص العبودية له،هو الجهاد في سبيل الله ، فإنه المصدر الرئيس للرابطة الإيمانية والوحدة الإسلامية ، وتركه والتخلف عنه ينسحب أثره على القاعدين بالسلبية القاتلة فيكثر جدلهم وتفرقهم وتكثر الكتل الحزبية والتجمعات المتفرقة، بسبب القعود عن تلك الفريضة العظيمة.

قال العلَّامة الشيخ ابن تيمية- طيَّب الله ثراه [فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو الواقع؛ فإنَّ الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم وألَّف بينهم ، وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم ، وإذا لم ينفروا في سبيل الله عذَّبهم الله بأن يلبسهم شيعًا، ويذيق بعضهم بأس بعض] مجموع الفتاوى [15/44ـ45]

وصدق ـ رحمه الله ـ فالواقع خير شاهد على ذلك ؛ ورحم الله من قال:

وكونوا حائطًا لا صدع فيه وصفًَّا لا يرقَّع بالكسالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت