وقد خسرت الأمة كثيرًا عندما فقدت بعض الفصائل الإسلامية وعيها بصرف الأنظار إليها بدلًا من القضايا المصيرية عن طريق ممارسات أتت في غير موضعها زمانًا ومكانًا.
دراسة القضايا الإسلامية على الطريقة المؤسسية:
أعتقد أن الأمة لو أحيت الأسلوب المؤسسي في دراسة القضايا والأزمات وأصدرت تحليلاتها عن رؤية جماعية لكان الحال أصلح مما نحن عليه, ولكن التعصب ورؤية الذات والنظرة المحدودة المنبثقة من الحزب أو التكوين الفكري أو الجماعة تمنع ذلك. ومن نظر في حالة الأمة نحو فلسطين والمقاومة الآن تبين له الأمر واتضح، فقومٌ يدعون إلى استمرار المقاومة وقوم يرون أنها انتحار وغيرهم يراها عبثًا، وبين محرم ومحلل وهلم جرًّا، إن الذي نحن بحاجة إليه في هذه الآونة هو إنشاء مؤسسات بحثية تبحث القضايا بعمق وجدارة وتخصص على طريقة كشف الداء وتشخيص العلم وطرائق الخلاص والنجاة على طريقة الأبعاد الزمنية والخطط المستقبلية البعيدة لأن ذلك سيجنب الأمة العشوائية والضعف المزمن في احتواء الأزمات ويقلل من الارتباك الناتج عن الأحداث العرضية هنا وهناك
معوقات وعوامل نهضة الأمة .. قراءة تحليلية نقدية لنخبة من المفكرين والدعاة [2/ 2]
ذي الحجة 1423 هـ
عبدالله الطنطاوي:
دعوة للتدبر:
دعا الأستاذ عبد الله الطنطاوي المثقفين إلى ضرورة دراسة التاريخ الإسلامي والفكر الإسلامي بشكل كاف كدراستهم للمناهج الغربية المفروضة عليهم، وذلك ليكتشفوا بأنفسهم عظمة الإسلام وأهمية سيادته على ما عداه من المدارس الفكرية والمذهبية والسياسية. إسعادًا للإنسانية وإنقاذًا لها من وحل الصراع والإرهاب الذي تقود العالم إليه قوى الشر والاستكبار، واستشهد الأستاذ الطنطاوي على أهمية الحل الإسلامي بقول عمر الفاروق رضي الله عنه: 'نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله'.
فهم الفروض الكفائية:
يقول الأستاذ الطنطاوي: أعتقد لو أن علماء الأمة بادروا إلى شرح الفروض الكفائية للناس عامة ولأثرياء المسلمين خاصة، فبينوا أوجه الحاجة والسياسة الشرعية، وما هو مطلوب اجتماعيًا واقتصاديًا للنهوض لتغير وجه العلام الإسلامي، فلو أنفق الأثرياء شطر ما أنفقوه على المساجد في بناء المعامل والمصانع والمعاهد لكانت أمتنا أفضل مما هي عليه بكثير ... بكثير. أريد أن نبني بميزانية كل مسجد فاخر ننوي بناءه مسجدًا متواضعًا وإلى جانبه مدرسة أو مركز تدريب على مهارة من تلك المهارات ومصنعًا صغيرًا ليعمل به عدد من أفراد الأسر الفقيرة نقيهم السؤال والحاجة، أريد مراكز للتدريب على المهارات الاجتماعية والاتصالية، أريد مراكز تعنى بالإبداع والإنتاج الأفضل.
أريد مراكز تربينا على الإتقان، الإتقان في كل شيء في العلاقات الأسرية والاجتماعية ... المهنية ... الإدارية، وفي العلاقات مع الآخر، تلك العلاقات المهمة لإبلاغ دعوة الحق وتعميم الخير.
القيادات تاريخ وواقع وطموح:
في هذا الموضوع المهم من الحراك الاجتماعي الضروري لنهضة الأمة تحدث الناقد والأديب، صاحب التجربة الغنية في العمل الإسلامي الأستاذ عبد الله الطنطاوي يضيف:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [[لا نولي هذا الأمر من يطلبه] ].
هذا هو المبدأ، ولكن بعض القادة الكرام اعترضوا عليه بطلب سيدنا يوسف عليه السلام من حاكم مصر: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الأرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55] .
وتذرع كثير من القيادات التاريخية بذرائع واهية من أجل الاحتفاظ بمناصبهم وزعاماتهم، ولقد رأيت ناسًا من الناس نالوا شهادات عليا وبامتياز، وكبروا وصاروا آباء وأجدادًا ولكنهم في عرف تلك القيادات ما زالوا صغارًا أغرارًا، لا يقوون على تحمل المسؤولية، وقد [شذ] عن هؤلاء القادة نخبة من الأحبة كانوا في [القيادة] من الزاهدين وتركوها لمن رأوه أهلًا لتحمل المسؤولية من بعدهم، وقد رأيت بعض القيادات تتشبث بمواقعها، وتسعى لما هو أعلى وكنت أحسبهم أزهد الناس فيها ..
وكنت أقول: لعلهم يجربونها دورة ثم يعودون إلى أماكنهم، ولكنهم كانوا يزدادون تمسكًا بها وهم [الزاهدون وفي لباس الزاهدين] ومن كثرة المشاهد التي شهدتها خلال نصف قرن، بتّ أعتقد أن [الجميع] يسعون إليها، ومن يعف أو يتظاهر بالزهد بها والعفاف عنها، فلعلة لا نعلمها، الله يعلمها، مما يؤكد ضرورة اعتماد أسس ومبادئ إدارية كافية لحمايتنا من هذا البلاء وهذا ممكن مع تطور العلوم الإدارية والسياسية.
بعضهم أرادها لنفسه من المهد إلى اللحد فلما فاتته في مهده، ما رضي أن تفوته قبل أن يصير إلى مثواه الأخير ..
المشكلة ليست في القيادات التاريخية وحسب بل في أكثر الذين حسبوا العبقرية مغروسة فيهم وأنهم كيوسف عليه السلام إذا تركوها أحلوا قومهم دار البوار ويبدو أن الشاعر أصاب كبد الحقيقة حين قال:
لا خيرَ في حشو الكلام إذا اهتديت إلى عيونه
كل امرئ في نفسه أعلى وأشرفُ من قرينه
حب الزعامة والقتال دونها، أورد بعض الرجال موارد الهلاك، والشيطان يسول لهم ما يسعون إليه هو الصحيح فانشقت الدول والجماعات والأحزاب والهيئات على نفسها، وسار بعض أولئك في ركاب الطواغيت البعيدين عن منهج الله ونهج الإسلام بل كانوا من أعدى أعدائه ... وحب الزعامة لدى الآخرين، من الأحزاب العلمانية، جعل المتزعمين يكيد بعضهم لبعض ويحتربون فيما بينهم والقوي اللئيم يغتال من أحسن إليه من رفاقه في الحزب والنضال حتى إذا ما تسلم الحزب مقاليد الأمور نشبت التصفيات الجسدية بينهم، فقتل الرفيق القائد رفاق دربه، وقد جالست بعضهم واستمعت إليهم، وحاورتهم، وكان تمسكهم بزعاماتهم لا مثيل له ولا أستثني واحدًا منهم، حتى الذين بلغوا أرذل العمر وصاروا على حواف قبورهم كانوا أشد تمسكًا لأنهم أصحاب السبق والخبرات والتجارب ولأنهم العارفون ببواطن الأمور ومخبآت النفوس ودواخلها ولأنهم هم البناة وغيرهم ما أكلوا إلا من كدهم وسهرهم ..
مشكلتنا الكبرى أن القائد منا يربي جنودًا ولا يخرج قيادات ونحن في هذا لا نكاد نختلف إلا قليلًا عن ذاك الحاكم المستبد، المشكلة في القيادات التاريخية تتجدد في القيادات التي سوف تغدو [تاريخية] بعد حين، من الشباب المتطلعين أصحاب المطامح والمطامع ... ولهذا يجب الانتباه والحذر.
والحل؟
الحل في اختيار مجموعة من الفتيان المتفوقين المتميزين وتربيتهم على المثل الدينية والأخلاقية، بتقديم دراسات هادفة عن القيادة القدوة، عن الرسول القائد عليه الصلاة والسلام، عن خلفائه الراشدين الهادين المهديين، عن المثنى وأبي عبيدة وخالد، وعن العز وابن تيمية وابن القيم، كما يجب تربية هؤلاء الفتية على الجانب العملي ولا نسهب في التنظير حتى لا نغرقهم في الأوهام، نضرب لهم الأمثلة العملية من حياة عظمائنا التاريخيين والمعاصرين حتى لا نسوقهم إلى متاهات، المعلمون أنفسهم لم يجنوا من ورائها إلا الفراغ والضياع في لجج الكلام الفارغ المكرر، والجري وراء سراب الأمنيات والكلمات ..
تربيتهم على الإيمان الحق بالله واليوم الآخر، وأضع مائة خط تحت كلمتي [الإيمان الحق] لأن زعم الزاعمين الإيمان بالله واليوم الآخر مجرد زعم والزعم مطية الكذب، ولو كان أولئك الأدعياء المدعين صادقين في إيمانهم هذا وبأن هناك آخرة يحاسب فيها المرء على ما قدم من قول وعمل لكانت حياتنا غير التي نحيا الآن ولما ضجت دنيانا بالآثام والمجرمين ...