ـ انتسبوا إلى آل البيت كذبا وزورا، وأظهروا هذا الانتسابَ لاستمالةِ قلوب الناس إليهم. قال العلامة بن خَلِّكَان في كتابه وفايات الأعيان: والجمهور على عدمِ صحةِ نسبهم، وأنهم كذبةٌ أدعياء، لا حظَّ لهم في النسبةِ المحمدية أصلا. وقال الذهبي في كتابه العبر في خبر من غبر: المهدي عبيد الله والد خلفاءِ الباطنية العبيدية الفاطمية افترى أنه من ولد جعفر الصادق.وقد ذكر غيرهما من المؤرخين أنه في ربيعٍ الآخر من عام أربعمائة واثنين للهجرة كتب جماعةٌ من العلماء والقضاة والأشراف والعدول والصالحين المحدثين وشهدوا جميعا أن الحاكم بمصر وهو منصور الذي يرجع نسبه إلى سعيدٍ مؤسس الدولة العبيدية لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب، وأن الذي ادعوه إليه باطل وزور، وأنهم لا يعلمون أحدا من أهل بيوتات علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن هذا أي الحاكم بأمره الذي يزعم أنه فاطمي هو وسلفه كفارٌ فجار فساق ملحدون وزنادقة، معطلون للإسلام جاحدون ولمذهب المجوسية والوثنية معتقدون، قد عطلوا الحدود وأباحوا الفروج واستحلوا الخمر وسفكوا الدماء وسبُّوا الأنبياء، ولعنوا السلف وادعوا الربوبية، وكُتب هذا في سنة اثنتين وأربعمائة للهجرة النبوية.
ـ يظهرون مناصرةَ آل البيت، وهذه الدعوة أظهروها حيلة، نزعوا إليها استغلالا لعواطف المسلمين، لعلمِهم بمحبة أهلِ الإسلام لرسوله صلى الله عليه وسلم وآل البيت، قال النُويري: وحكي الشريف أبو الحسين محمد بن علي المعروف بأخي محسن في كتابه أن عبد الله بن ميمون كان قد سكن بسباط أبي نوح، وكان يتستر بالعلم، فلما ظهر أمره وما كان يُضمره ويَسْتُره من التعطيل والإباحة والمكر والخديعة ثار عليه الناس.
ـ قال الباقلاني رحمه الله عن القداح جدُّ عبيد الله المؤسسِ لتلك الدولة الخبيثة، وكان باطنيا خبيثا حريصا على إزالة مِلة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء، ليتمكن من إغواء الخلق، وجاء أولاده على أسلوبه، أباحوا الخمور والفروج، وأفسدوا عقائد الخلق. وقال أبو الحسن القادسي صاحبُ كتاب الملَخَّص الذي قتله عبيد الله: وبَنُوه بعده أربعةُ ألافِ رجل في دار النحر في العذاب ما بين عالمٍ وعابد ليردهم عن الترضي عن الصحابة فاختاروا الموت [أي أن هؤلاء العبيديين نحروا أربعةَ آلاف رجل من المسلمين الموحدين ما بين عابد وعالم، لأجل أنهم يترضون عن الصحابة رضي الله عنهم] وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء: ومن جملةِ ذلك ابتداءَ الدولة العبيدية، وناهيك بهم إفسادا وكفرا وقتلا للعلماء والصلحاء. وقال الشاطبيُ المالكي في كتابه الإعتصام: العبيدية اللذين ملكوا مصر وإفريقيا زعمت أن الأحكام الشرعية إنما هي خاصة بالعوام، وأن الخواص منهم قد ترقوا عن تلك المرتبة، فالنساء بإطلاق حلال لهم، كما أن جميع ما في الكون من رطب ويابس حلال لهم أيضا، مستدلين على ذلك بِخُرافاتِ عجائز لا يرضاها ذو عقل.
ـ بدأ هذه الدولة الخبيثة دعوتها في بلاد المغرب، واعتنق هذا المذهب كثير من البربر، حتى أن كثيرا من وزراء الأغالبة في شمال أفريقيا كانوا على مذهبهم، وكان من أبرز دعاتهم رجل أصله من بلاد اليمن، له من ضروب الحيل ما لا يحصى، فبدأ بنشر دعوتهم في بلاد المغرب، ثم بسط نفوذهم في شمال أفريقيا، فوقعت في يده مدن عديدة، وأعلن الفاطميون قيام دولتهم سنة مائتين وستٍ وتسعين للهجرة، إثر تغلبهم على الأغالبة في موقعة الأَرْبَس .
ـ اتجهت أنظارهم إلى مصر لوفرة ثرواتها، وقربها من بلاد المشرق، وإقامةَ دولةٍ مستقلةٍ هناك تنافسُ الخلافةَ السنيةَ العباسيةَ في بغداد، فوجهوا أكثرَ من حملة للإستلاء عليها، وفي سنة ثلاثمائة وثمانيةٍ وخمسين، عهد الخليفة العبيدي إلى جوهر الصقلِّي كتابا بالأمان وفيه: أن يَضَلَّ المصريون على مذهبهم، ولا يُلْزَموا بالتحوِّلِ إلى المذهب الباطني، وأن يُجريَ الأذانَ والصلاة وصيامَ رمضان والزكاة والحج والجهاد على ما ورد في كتاب الله وسنةِ رسوله، ولم يكن كتابُ جوهرَ لأهل مصرَ إلا مجردْ مهادنة، وعندما وصل المعز الفاطمي إلى القاهرة سنة ثلاثمائة واثنين وستين ركز اهتمامه على تحويل أهلها إلى المذهب الباطني.
ـ اتّبع الفاطميون العبيديون في تحويل أهل مصر طرقا منها: إسنادَ المناصبِ العليا وخاصةً القضاء لأهل مذهبهم، واتخذوا المساجدِ الكبيرة مراكزَ للدعاية لهم كالأزهر وجامعِ عمرو ومسجدِ أحمد بن طولون، وأمعنوا في إظهار شعائرهم المخالفةِ لأهل السنة، في الأذان والاحتفال بالعاشر من شهر الله المحرم، وهم أول من ابتدع المولد النبوي.
ـ سهلوا للصليبيين غزو الشام فأخذوا القدس ونابلسَ وعجلون والغُور وبلاد غزة وعسقلان وطبريا وعكا وصيدا وبيروت وصفد وطرابلس وإنطاكيا، وقتلوا من المسلمين خلقا وأمما لا يحصيهم إلا الله، وسبوا من النساء والولدان الكثير، وقد أعانوا التتر على ما أوقعوه من مذابح في المسلمين، ومنهم بن العلقمي الباطني الخبيث الملعون الذي قضى على خلافة المسلمين، وكان جيش المسلمين قرابةُ مائةُ ألف، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن أوصلهم إلى عشرة آلاف، فلما اطمأن إلى ذلك كاتب التتر وأطمعهم في أخذ بلاد المسلمين، فنزل هولاكو على بغداد في الجانب الشرقي منها، وجعل يتواصل مع بن العلقمي الخبيث حتى أقنع الخليفة المستعصم أن يخرج إليه بمن معه من العلماء والأفاضل والفقهاء وأشراف الناس ووجهائهم على أن يُعطوا الأمان، فلما وصلوا إليهم واستمكنوا منهم قتلوهم جميعا رحمهم الله، فأرادوا قتل الخليفة المستعصم، فأشار عليه بن العلقمي أن يضعه في كيس وأن يُرفس، فوضع في الكيس ورفس حتى مات، قال بن كثير رحمه الله: وقد اختلف الناس في كميةِ من قُتل ببغداد من المسلمين، فقيل ثمانمائة ألف وقيل ألفُ ألف وثمانمائة [أي مليون وثمانمائة ألف] والقتلى في الطرقات كأنها التلال، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم، وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسبب ذلك الوباء حتى وصل إلى بلاد الشام، واجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون فإنا إليه وإنا إليه راجعون""
ـ لما قبض الحاكم بأمره زمام الأمور في مصر عمِد إلى إصدار كثير من الأوامر والقوانين المبنية على مذهبهم، ومن ذلك: نقشُ سبِّ الصحابة على جدران المساجد والأسواق والشوارع والدروبِ، وعُلِّقَتِ الأكباش والحمير في أبواب الحوانيت، وعليها قراطيس معلقةٌ مكتوب عليها أسماءُ الصحابة.
ـ كان أهل السنةِ في القيروان ومصر والمغرب العربي في حالةٍ شديدة من الهضم والتستر والاستضعاف كأنهم أهل ذمة، كما أنهم نصبوا رجلا يدعى حسينا أعمى البصر والبصيرة لمهنة هي نشر السبّاب والشتم في الأسواق بكلمات لقنوها إياه ومنها: العنوا الغار وما وعى، والكساء وما حوى [أي من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء).
ـ سن زعيمهم عبيد الله الفاطمي قانونا غيّر فيه نعمة الله على عباده فاستبدل الليل بالنهار والنهار بالليل، وحرم على الناس النوم في الليل وأمرهم فيه بالعمل والكد للمعيشة، وأجبرهم على النوم في النهار وحرم عليهم العمل فيه، فأفسد على الناس معاشهم.
ـ ادعى الألوهية كما ادعاها فرعون، وأمر الرعية إذا ذَكر الخطيبُ اسمه أن يقومَ الناسُ في المساجد لأسمه على أقدامهم صفوفا تعظيما له وتشريفا، وأمر أهلَ مصر خصوصا إذا قاموا عند ذكره أن يخروا له سجدا له، حتى إنه ليسجد بسجودهم مَن بالأسواق من الرعاع وغيرهم.