فانطلق هؤلاء الحواريون والأصحاب ومن تبعهم بإحسان مقتفيًا أثرهم سالكًا طريقهم انطلقوا براية الدعوة إلى الله عز وجل تاركين الديار والأوطان باذلين في سبيلها المُهج والأرواح ولا هَّم لهم سوى إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربَّ العباد ، ومن جوَرِ الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، فأعز الله بهم الإسلام وارتفعت رايته على بلاد السند والهند والتركستان والصين وبلاد الروس شمالًا وقلب أوروبة حتى قال"لين بول"فى كتابه"العرب في أسبانيا":"فكانت أوروبة الأمية تزخر بالجهل والحرمان بينما كانت الأندلس تحمل إمامة العلم وراية الثقافة في العالم"
وقد جسد لنا هذا المَّد العظيم والسلطان الكبير أحدُ خلفاء المسلمين - الذى شوه الإعلام صورته وجعله رجل ليل وغناء ونساء - إنه هارون الرشيد - رحمه الله تعالى - الذى وقف يومًا ليخاطب السحابة في كبد السماء ويقول لها: أيتها السحابة أمطرى حيث شئت ، فسوف يُحمل إلينا خراجك إن شاء الله
ثم إنه خلف من بعدهم خلوف خلدوا إلى الأرض إلى الوحل والطين عاشوا لأنفسهم وشهواتهم ونزواتهم ورغباتهم الحقيرة عاشوا لكراسيهم الزائلة عاشوا لعروشهم وفروجهم فانحسر هذا المد المبارك بل وهانت الأمة وضاعت هيبتها وزال سلطانها وولى مجدها ومسخت هويتها بل واحتلت أرضها وطمع فيها الضعيف قبل القوى والذليل قبل العزيز والبعيد قبل القريب وتكالبت عليها أممُ الأرض كما تتكالب الأكلة على قصعتها وتحقق فيها قولُ من لا ينطق عن الهوى - بأبى هو وأمى - ما في حديث ثوبان"يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلةُ إلى قصعتها ، قيل: يا رسول الله فمن قلة يومئذٍ ؟ قال: لا ولكنكم غُثاء كغثاء السيل ، يُجعل الوهن في قلوبكم ويُنزع الرعب من قلوب عدوكم لحُبَّكم الدنيا وكراهيتكم الموت" (1)
نعم غثاء كغثاء السيل لا وزن له ولا تأثير مليار مسلم منهم الظالم لنفسه والمقتصد ومنهم السابق بالخيرات بإذن الله في الوقت الذى يزيد فيه عدد الكفار على أربعة مليارات نسمة"حيث أن تعداد سكان العالم قد بلغ خمسة مليارات نسمة تقريبًا طبقًا لبعض الإحصاءات الحديثة" (1)
فَمَنْ لهؤلاء ؟ من يدعوهم إلى الله عز وجل ؟ من يقيم عليهم حُجَّة الله في الأرض؟ من يستنقذهم من عذاب الله في الآخرة ؟! من يتحمل تبعة هؤلاء ؟! )لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل( ألم أقل لكم إنها تبعة ثقيلة !!
إنها تبعة تقصم الظهر وتخلع الفؤاد !!
إنها الأمانة الكبيرة الكبيرة فإما أن نكون أهلًا لها بتأديتها وإبلاغها وإما أن نكون"خونة"بتضييعها ونسيانها!!
قال الله عز وجل: )وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا (( 2)
بل ويخاطب الله جلا وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم الذى أمره بالقيام )قم فأنذر ( فقام ولم يقعد حتى لقى الله عز وجل يخاطبه ربه بقوله سبحانه: ) قل إنى لن يجيرنى من الله أحد ولن أحد من دونه ملتحدا إلا بلاغًا من الله ورسالته(
"هذه هى القولة الرهيبة التى تملأ القلب بجدية هذا الأمر ، أمر الرسالة والدعوة ، والرسول e يؤمر بإعلان هذه الحقيقة الكبرى ، إنى لن يجبرنى من الله أحد ولن أجد من دونه ملجئًا أو حماية إلا أن أبلغ هذا الأمر وأؤدى يا للرهبة ويا للروعة ويا للجد، إن الدعوة ليست تطوعًا يتقدم بها صاحب الدعوة إنما هو التكليف الصارم الجازم الذى لا مفر من أدائه فالله من ورائه ، وإنها ليست اللذة الذاتية في حمل الخير والهدى للناس ، إنما هو الأمر العلوى الذى لا يمكن التفلت منه ولا التردد فيه ، وهكذا يتبين أمر الدعوة ويتحدد إنها تكليف وواجب وراءه الهول ووراءه الجد ووراءه الكبير المتعال وليعرف الدعاة أن أمامهم واجبًا ثقيلًا لأنهم أتباع محمد e وهو حجة الله على الناس" (1)
فالدعوة إلى الله عز وجل واجب هذه الأمة الخاتمة التى اختارها الله جل وعلا للقيادة - بقوة وجدارة - بما معها من الحق الذى قامت من أجله السموات والأرض وخلقت الجنة والنار وأنزل الكتب وأرسل الرسل !
"فالمسلم لم يُخلق ليندفع مع التيار ويساير الركب البشرى حيث اتجه وسار ، بل خُلق ليوجه العالم والمجتمع والمدينة ، ويفرض على البشرية اتجاهه ، ويُملى عليها إرادته لأنه صاحب الرسالة وصاحب العلم اليقين ، ولأنه المسئول عن هذا العالم وسيره واتجاهه فليس مقامه مقام التقليد والاتباع ، ولكن مقامه مقام الإمامة والقيادة ، ومقام الإرشاد والتوجيه ، ومقام الآمر الناهى ، وإذا تنكر له الزمان ، وعصاه المجتمع ، وانحرف عن الجادة ، لم يكن له أن يستسلم ويخضع ويضع أوزاره ويسالم الدهر ، بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظل في صراع معه وعراك حتى يقضى الله في أمره" (2)
فلابد إذن من الدعوة والبلاغ ولقد دلت الأدلة على القرآن والسنة على وجوب الدعوة إلى الله عز وجل وأنها من أكرم الفرائض التى افترضها الله عز وجل على هذه الأمة المباركة ومن هذه الأدلة القرآنية:
قول الله عز وجل: )ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (( 3)
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى -: ولتكن منكم أمة منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وأولئك هم المفلحون وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه" (4) "
ومنها قول الله عز وجل: )ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن (( 1)
ومنها قول الله عز وجل: )فادع واستقم كما أمرت (( 2)
ومنها قول الله عز وجل: )وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين (( 3)
ومنها قول الله عز وجل: )قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين (( 4)
يقول ابن القيم - رحمه الله -"فلا يكون الرجل من أتباعه حقًا حتى يدعو إلى ما دعا إليه ويكون على بصيرة" (5) "
يقول الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى -:"وإنما حازت الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبى قبله ولا رسول من الرسل فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه" (6)
أما الأدلة النبوية فهى أيضًا كثيرة ومنها:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما: أن النبى e قال:"بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج ومن كذب علىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (7)
قال الحافظ ابنُ حجر - رحمه الله تعالى -:"وقال في الحديث"ولو آية"أى واحدة ليسارع كل سامع إلى تبليغ ما وقع له من الآى ولو قل ليتصل بذلك نقل جميع ما جاء به e (1) هـ"
قلت: سبحان الله !
فكم من المسلمين يحفظ مئات الآيات وعشرات الأحاديث ولكنه مضيع لأمر رسوله الذى يدل على الوجوب حيث لم تأت قرينة تصرفه من الوجوب إلى غيره نسأل الله السلامة والعافية
ومنها حديث عبد الله بن مسعود tقال: سمعت رسول الله e يقول:"نضًّر الله امرأ سمع منا حديثًا فبلغه كما سمعه فَرُبَّ مبلغ أحفظ من سامع" (26) وفى رواية:"فرب مبلغ أوعى من سامع"
وفى خطبته يوم النحر قال e:"ليبلغ الشاهد الغائب فإنَ الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعَى له منه" (27)
وهكذا تظل هذه القاعدة الجليلة باقية خالدة ترن في إذن الزمان والأيام ألا وهى ليبلغَ الشاهدَ الغائبَ