شماتة الشامتين باغتيال الإمام حسن البنّا لفتت نظر الطالب سيّد قطب إلى فكر الإمام الشهيد، وهو يغادر أرض الوطن للدراسة في أمريكا، والارتياح الشديد الذي لمسه في الصحافة الأمريكيّة بحل الجماعة حبّبها إلى قلبه، فلمّا عاد إلى أرض الوطن، حمل إليها (أمريكا التي رأيت) و (العدالة الاجتماعيّة في الإسلام) وقلبه العامر بالإيمان وحب الناس، والشوق للحركة التي وجد فيها حقلًا خصبًا للعمل الإسلامي العام.
وانخرط في هذه الحركة وكان مقتنعًا بعدم وجود بديل لها يستطيع الوقوف في وجه المخطّطات الصهيونيّة والصليبيّة، وشارك مع إخوانه في ثورة 23 يوليو 1952 التي عقد عليها مواطنوه الآمال، وكان المدني الوحيد الذي كان يحضر اجتماعات مجلس الثورة.
تابع سيّد (جمعيّة الفلاح) المشبوهة بحذر، ورأى في الشعارات التي طرحتها مكرًا وخداعًا للعمّال والفلاّحين، وخاصّة بعد تهليل الصحافة الأمريكيّة لها بصورة كشفت طبيعة العلاقة المريبة بين هذه الجمعيّة والإدارة الأمريكيّة.
وشاهد عن قرب الدور الذي قام به وكيل الجمعيّة عندما أخذ يغذّي الخلاف بين رجال الثورة والإخوان، ويضخّم المخاوف منهم، ويستغلّ ثقة الرئيس المصري به خلال اشتراكه في أوّل وزارة بعد الثورة.
وتعرّض الإخوان للمحنة بعد حادث المنشيّة الملفّق وأعدمت القافلة الأولى (عبد القادر عودة ورفاقه) واعتقل سيّد في ليمان طرّة عشر سنوات، تعرّض فيها مع إخوانه لأشد أنواع التعذيب والتنكيل، حتّى هدّه المرض وساءت حالته الصحيّة، واعتقد أنّ حرّاس السجن وزبانية التعذيب قد نسوا الله، وكانوا يجهلون مبادئ العدالة، واقتنع سيّد أنّ حادثة المنشيّة تمثيليّة دبّرتها أصابع أجنبيّة، وأنّ هناك سرًا غامضًا لم تستطع الأجوبة التي حصل عليها تفسيره.
وشعر وهو في السجن أنّ هناك خطّة تستهدف التخلّص من الإخوان في السجون على نطاق واسع، إلاّ أنّ وعي الإخوان فوّت الفرصة على الخطّة المجرمة، فحصرت المجزرة بليمان طرّة وهو يعالج في المستشفى، وأدرك أنّ حركة الإخوان مقصود بالذات القضاء عليها لصالح جهات أجنبيّة، وأنّ شتّى التدبيرات تتخذ لتدمير أشخاصها بالتعذيب، أو تذبيحهم أو تخريب بيوتهم للقضاء على التنظيم من أساسه، وتركت نتيجة التحقيق في مذبحة ليمان طرّة شعورًا لديه بأنّها كانت مؤامرة مدبّرة، ووقر في تفكيره أنّ الحركة الإسلاميّة تواجه حالة شبيهة بالحالة التي كانت عليها المجتمعات البشريّة يوم جاء الإسلام أوّل مرّة.
وأنّه لا بدّ من حماية الحركة من المخطّطات والدسائس المعادية، ووقف الاعتداء عليها ومنع تدميرها ووقف نشاطها وتعذيب أفرادها وهدم بيوتهم وتشريد أطفالهم، كالذي حدث للإخوان في مصر سنة 1948 وسنة 1954 ثم سنة 1957 وهذه الحماية تتم عن طريق مجموعات مدرّبة، وأنّ إحياء مدلول العقيدة الإسلاميّة في القلوب والعقول هو الأسلوب الأمثل، وأنّ القضاء على هذه الجماعة يعدّ عملًا فظيعًا جدًا يصل إلى حدّ الجريمة.
وصمّم على استئناف مسيرة الجماعة المصادرة الموقوفة والانتفاع بالتجارب السابقة، وامتلأت نفسه بضرورة وجود حركة إسلاميّة كحركة الإخوان المسلمين في هذه المنطقة، وضرورة عدم توقفها بحال من الأحوال.
* الحركة الجديدة وملامحها:
بدأت الحركة الجديدة تشق طريقها سنة 1962 بعد أن كان حلمًا بعيد المنال، كلّ أسرة (وحدة تنظيميّة صغرى) تمّ تشكيلها داخل السجن تضم سكّان زنزانة.
لم تكفّر تلك المجموعات أحدًا كما أشيع عنها ولكن قالوا: إنّ الناس صاروا من الجهل بحقيقة العقيدة وعدم تصوّر مدلولها الصحيح والبعد عن الحياة الإسلاميّة إلى حال تشبّه حال المجتمعات الجاهليّة، وأنّه من أجل هذا لا تكون نقطة البدء في الحركة هي قضيّة إقامة النظام الإسلامي، ولكن تكون إعادة زرع العقيدة والتربية الأخلاقيّة الإسلاميّة.
ويلخّص سيّد ملامح الحركة الإسلاميّة بما يلي:
يجب أن تبدأ الحركة من تفهيم الناس معنى العبوديّة لله سواءً في الاعتقاد بألوهيّته وحده أو تقدير الشعائر التعبّديّة له وحده أو الخضوع والتحاكم إلى نظامه وشريعته .
أن تتم التربية على الأخلاق الإسلاميّة وتوعية الناس بدراسة الحركة الإسلاميّة وتاريخها، وخطّ سير الإسلام في التعامل مع المعسكرات والمجتمعات والعقبات التي وقفت في وجه الإسلام .
لا يجوز البدء بأي تنظيم إلاّ بعد وصول الأفراد إلى درجة عالية من فهم العقيدة والأخذ بالخلق الإسلامي في السلوك والتعامل .
نقطة البدء هي نقل المجتمعات ذاتها إلى المفهومات الإسلاميّة الصحيحة وتكوين قاعدة تملك التوجيه والتأثير لنقل المجتمع برغبة للعمل على إقامة النظام الإسلامي وتحكيم الشريعة.
الوصول إلى إقامة النظام الإسلامي بتغيير التصوّرات للمجتمع أو لمجموعات كافية لنقل المجتمع .
يجب حماية الحركة من الاعتداء عليها وعلى أهلها إذا وقع الاعتداء عليها .
* الإفراج عن سيّد وبدء مرحلة جديدة:
أفرج عن سيّد بوساطة عراقيّة من الرئيس عبد السلام عارف، وأبلغه السفير العراقي أنّ الرئيس عارف سعيد بنجاح وساطته، وذكر له بأنّ كتاب (في ظلال القرآن) كان أنيسه في فترة اعتقاله أيّام عبد الكريم قاسم، فشكره وطلب من الرئيس عارف أن يواصل مساعيه لإنهاء قضيّة الإخوان بجملتها، وأرسل له برقيّة شكر عندما حضر إلى مؤتمر القمّة، لكنّ البرقيّة الجوابيّة حجبت عن سيّد .
وشكر سيّد الجهود المباركة التي توسّطت لإطلاق سراحه وفي مقدمتها الشيخ أمجد الزهاوي عالم العراق ومجاهده الذي وجد لدى الرئيس عارف الرغبة في ذلك .
وابتهج الإخوان في أقطارهم بخروج سيّد من الأسر، وبعثوا مندوبيهم للتهنئة والاطمئنان، فعرض عليهم التحوّلات الفكريّة التي توصّلت إليها مجموعته .
وخارج السجن وضعت مجموعات منظّمة نفسها تحت قيادته وكانت تؤمن بالتغيير من القمّة، لكنّ سيّد صمّم على تدارك المنهج الذي يتصوّره وكانت مهمته الجديدة التوعية، وكانت الوسيلة اللقاءات والدروس المنهجيّة .
* خطّة ردّ الاعتداء:
استبعد سيّد من منهجه استخدام القوّة كوسيلة لتغيير نظام الحكم أو إقامة النظام الإسلامي، وقرّر استخدامها في حالة الاعتداء على التنظيم فقط وعند الضرورة القصوى، وكان لا بدّ من تدريب جماعات تقوم بحماية التنظيم، وكان لا بدّ من مال إخواني نظيف وسلاح محلي الصنع، وقرّر أنّ ما جرى في الماضي قد انتهى أمره، أمّا المسألة فهي مسألة الاعتداء الآن، وهذا هو الذي تقرّر الردّ عليه إذا وقع، وكان أشدّ ما يخشاه أن تتكرّر حادثة المنشيّة ومذبحة ليمان طرّة .
* سيّد قطب يختم وثيقة لماذا أعدموني ؟ بقوله:
1ـ إنّ العنف الذي عومل به الإخوان سنة 1954 بناءً على حادث مدبّر لهم وليس مدبّرًا منهم ـ حادث المنشيّة ـ والذي عوملوا به وحدهم دون سائر الأفراد أو الطوائف الذين اتهموا بمؤامرات لقلب نظام الحكم، العنف الذي يتضمّن التعذيب والقتل والتشريد وتخريب البيوت، هذا العنف هو الذي أنشأ فكرة الردّ على الاعتداء إذا تكرّر بالقوّة .
وقال: ولو كنّا نعلم أنّ الاعتقال مجرّد اعتقال ينتهي بمحاكمة عادلة وعقوبات قانونيّة لما فكّر أحد في ردّ الاعتداء بالقوّة .