فهرس الكتاب

الصفحة 2123 من 3028

وقد صادف أن أسلمت فتاة سويدية تعمل في محل لبيع الثياب النسائية، فطردت من عملها، ورفعت دعوى على رب العمل، فأنصفتها المحكمة السويدية، وردتها إلى عملها مقرة بحقها في ارتداء الحجاب، واعتبار حجابها ذلك لا يتنافى مع العمل.

وأشد ما يخشاه الاستراتيجيون الغربيون هو حجاب المرأة المسلمة المولودة في الغرب والتي تجيد اللغة الغربية في هذه الدولة أو تلك بطلاقة؛ حيث كان المعول أن يكون هؤلاء بحكم المولد الغربي وبحكم الدراسة في المدارس الغربية غربيات، خصوصًا إذا علمنا أن الكثير من الدول الغربية فتحت باب الهجرة للعرب والمسلمين ليس طمعًا في الكهول المشربين بالعادات والتقاليد الإسلامية، ولكن طمعًا فيمن هم في أصلابهم من الجيل الذي سيولد في الغرب فيكثرون به الشعوب الغربية، ويخضعونه لعملية غسيل دماع حضاري حتى يكون النسيج الاجتماعي والثقافي والحضاري في الغرب بعد خمسين سنة واحدًا من وحي التركيبة الفكرية والثقافية والحضارية الغربية.

وقد أصبح هذا الجيل من المحجبات المسلمات المولودات في الغرب يشاركن في التظاهرات والنقاشات السياسية والثقافية التي تدور في وسائل الإعلام الغربية، ومثلما يثرن الدهشة فإنهن يثرن التساؤل لدى المهتمين الغربيين حول تبدد المشاريع الاندماجية في الغرب التي لم تستطع أن تزحف باتجاه معتقد المرأة المسلمة المحجبة الذي يردف هذه المرأة بكثير من معاني القوة والاندفاع.

كما لاحظ هؤلاء الاستراتيجيون أن أبناء المرأة المحجبة الملتزمة يظلون محافظين على قيمهم الدينية ومبادئهم الإسلامية وهو الأمر الذي يعتبره هؤلاء عقبة في وجه إنجاح سياسة الاندماج بشكل كامل.

وفوق هذا وذاك فإن المنظومة الاقتصادية الغربية التي تقدس المادة إلى أبعد الحدود وتعتبر الربح هدفًا في حد ذاته، تعتبر أن الحجاب منافس لكثير من صناعات الملابس في الغرب، وقد يشكل انتشاره بين الفتيات المسلمات والأوروبيات إلى حرمان هذه الشركات المنتجة للملابس والخليعة منها على وجه التحديد من الرواج المطلوب حيث إن الحجاب بات يصدم أصحاب الفكر المادي ماديًا وروحيًا.

ويبقى القول أن الاستراتيجيين الغربيين يخشون أن تكون فريضة الحجاب المنتشرة في أوروبا والتي يلتزم بها المحجبات المسلمات منطلقًا باتجاه تكريس الفرائض الأخرى، وهو ما تخشاه أوروبا، وبدأت تدق لأجله الدوائر المعادية للإسلام في الغرب نواقيس الخطر.

(*) صحفي جزائري مقيم في استوكهولم.

من المسؤول عن تغريب الأدب وتذويب هوية الأمة الثقافية؟

مجلة البيان - (ج 202 / ص 14)

محمد القوصي

منذ عقود خلت احتدمت المعركة بين «الحداثيين» و «المحافظين» وكانت ـ بالفعل ـ معركة حامية الوطيس بين دعاة الخروج على النص الحضاري (لغة وتراثًا وشعرًا) ، وبين رعاة هذا النص الذين رأوا فيه هويتهم فتمسكوا به، ووجودهم فدافعوا عنه في شجاعة وقوة.

واكتسب «الحداثيون» من خلال الزخم الإعلامي الوافد، والواقع العربي المعقد، اكتسبوا بريقًا في عصر «صناعة النجوم» ، لكنهم لم يكسبوا شرعية رغم كتائبهم المدججة بالمال والسلاح، فلم تتبلور لهم ملامح، ولم تتحدد لهم قسمات، بل هي نسخ مكرورة تزداد مع الزمن انغلاقًا رغم ادعاء التفتح، وغموضًا رغم كثرة ما شرحوا متونهم وفسروا رؤاهم في قصائد الشروح والحواشي، والتربيع والتدوير. لقد ظلوا رغم ما يملكون من قوى مادية يحسون بغربة في المسافة، وضيق في المكان، فصبوا غضبهم على التراث، وعلى قدراته في طبيعة الأرض التي ازدهر عليها بالرغم من أنهم جميعًا ـ بالرغبة أو بالإكراه ـ أبناء هذا التراث، إن لم يصبهم من خيره وابل فطلّ.

لقد كانت لهم غاية لا صلة لها بجوهر الشعر ولا بالوعي النقدي التابع له؛ إنها دعوة إلى مقاطعة التراث، وقطع اللسان العربي، وإعلان الحرب على الخليل في عروض لم ينشئها هو، بل كان كاشفًا عنها بأذُن موسيقية بلغت شأوًا دونها معامل الصوتيات المعاصرة بآلاتها المبتكرة وعلومها المستحدثة. إنها دعوة إلى القطيعة بين الإنسان في حضارتنا وبين انتمائه؛ فهم يرمون صلتنا بالتراث ـ بل صلة شعراء التفعيلة بالتراث ـ بأنها علاقة عقائدية... ليس هذا فحسب، بل إن مجرد عودة شاعر التفعيلة إلى الشعر العمودي في إحدى قصائده يعتبرونها جريمة لا تغتفر وعثرة لا تقال.

يقول ناقد همام من قادتهم عن الشاعرة العراقية «نازك الملائكة» التي مارست التفعيلة في فترة معينة، ثم عادت إلى «الخليل» مرة أخرى، يقول عنها: «إنها تتجه بخطى واسعة نحو نهاية الشوط، إلى الخاتمة الأسيفة لهذا التيار السلفي الجديد، وهي التحجر والجمود واحتلال جانب المحافظين لحركة التجديد الحديثة في الشعر العربي. إن خطواتها التقليدية تقودها بالرغم عنها إلى حافة اللاوجود الشعري الذي أصاب المحافظين السالفين؛ حيث كتبت أحدث قصائدها في العمود الخليلي كاملًا غير منقوص» .

وهكذا أصبحت كتابة القصيدة في العمود الخليلي غير منقوص ردة عن الرؤيا الحديثة للشعر، ونقيضًا للتطور، وسلفية فكرية.

وهذا الذي دعا نزار قباني ليقول: «إن الفخ الخطير الذي وقعت فيه حركة الحداثة هو اعتقادها أن موسيقى الشعر نظام استعماري قديم لا بد من الانقلاب عليه» .

وبعد مرور نصف قرن من الزمان لم يظهر بين «الحداثيين العرب» أديب في قامة المنفلوطي أو الرافعي، أو روائي في قامة علي أحمد باكثير أو نجيب الكيلاني، أو شاعر مثل: حافظ إبراهيم أو إبراهيم ناجي أو جميل صدقي الزهاوي... بل كان (الشعر الحر) أكبر همهم ومبلغ علمهم وآخر دعواهم.

خمسون عامًا يقرضون «الشعر الحر» الخالي من الوزن والقافية، والمحشو بالغموض المذموم الذي يكتنف الفكرة سواء أكانت جزئية أم كلية؛ فإنك تقرأ ما يسمى بالقصيدة عندهم فلا تفهم معاني جملها ولا مضمون هيكلها، بل هي عبارة عن كلمات عائمة ـ رُصِفت رَصفًا غريبًا متنافرًا ـ حتى صارت رطانات وطنطنات عابثة. وسمة الإبداع عندهم أن تخلوَ «القصيدة» من أي غرض أو معنى، ويفلسفون هذا «المسخ» بأن القصيدة التي لا يضمِّنها صاحبها أي غرض أو معنى تظل تنمو وتكبر وتتعدد معانيها بتعدد قرائها...!

لذا، لجأ «الحداثيون العرب» إلى التعابير الغامضة التي تمتلئ بها أشعارهم وكتاباتهم مثل « الممرئية» ، رؤياوية»، «التعارض الثنائي» ، «اعتباطيات الإشارات» ، «اللاحقيقة» ، «التموضع الزمكاني» ... وغيرها من الألفاظ المائعة والمخنثة.

وفي هذا يقولون: إن «الحداثة» هي الثورة على كل شيء، وآخر يقول: إنها الابتعاد الصارم عن المجتمع.

وفي كتابه «مقدمة في الشعر العربي» يقول الأب الروحي للحداثيين العرب ـ بجرأة شديدة: «.. إن القرآن نفسه إبداع، وكذلك السنَّة؛ فالإبداع القرآني والنبوي أوصدا الطريق أمام الإبداع الأدبي، وأوقعا الخوف في روع الأدباء...» .

ويستطرد هذا الهمام قائلًا: «إن الأدباء العرب لن يبدعوا إلا إذا حرروا أفكارهم من التقيد بالدين والنظم السائدة في المجتمع سواء أكانت اجتماعية أو وطنية أو قومية.. فالأدب، أي الأدب «اللا معقول» ، أو «اللاواقع» ، أو «اللاحياتي» .

أما صاحب كتاب «جدلية الخفاء والتجلي» فيقول: «الحداثة انقطاع معرفي؛ ذلك أن مصادرها المعرفية لا تكمن في المصادر المعرفية للتراث، أو في اللغة المؤسساتية والفكر الديني، ولكون الله مركز الوجود ... الحداثة انقطاع؛ لأن مصادرها المعرفية هي اللغة البكر والفكر العلماني، ولكون الإنسان مركز الوجود...» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت