فإن ترك من هو قادر على جهادهم فهو متعرض لنزول العقوبة مستحق لما
أصابه ، فقد سلط الله على أهل الإسلام ، طوائف عقوبة لهم حيث لم ينتهوا عن
المنكرات ، ولم يحرصوا على العمل بالشريعة المطهرة ، كما وقع من تسليط
الخوارج في أول الإسلام ، ثم تسليط القرامطة و الباطنية بعدهم ، ثم تسليط الترك
حتى كادوا يطمسون الإسلام ، وكما يقع كثيرًا من تسليط الفرنج ونحوهم ؛ فاعتبروا
يا أولي الأبصار ، إن في هذا لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
أما القسم الثالث من الأقسام الثلاثة التي ذكرناها وهم الساكنون في المدن ؛ فهم
وإن كانوا أبعد الناس من الشر وأقربهم إلى الخير لكن غالبهم وجمهورهم عامة جُهّل
يهملون كثيرًا مما أوجبه الله عليهم من الفرائض جهلًا وتساهلًا . فمن ذلك:
أنهم يصلون غالب الصلوات في غير أوقاتها ، فيأتون بصلاة الفجر حال
طلوع الشمس وبعدها ، وبصلاة العصر قرب الغروب ، وبصلاة العشائين إمّا
جمعًا في وقت الأولى ، أو في وقت الأخرى ، ومع هذا فهم لا يحسنون أركان
الصلاة ولا أذكارها إلاّ الشاذ النادر منهم ، ويتعاملون في بيعهم وشرائهم معاملات
يخالفون فيها المسلك الشرعي ، وكثيرًا ما يقع منهم الربا ، ويتكلمون بالألفاظ
الكفرية ، وينهمك كثير منهم في معاصي صغيرة وكبيرة ، وهم أقرب الناس إلى
الخير وأسرعهم قبولًا للتعليم إذا وجدوا من يعزم عليهم عزيمة مستمرة دائمة غير
منقوصة في أقرب وقت كما يقع ذلك كثيرًا » [15] .
وننتقل إلى رأي الإمام الأمير الصنعاني رحمه الله وهو يصف حال البلاد
الإسلامية ، وما جاورها فيقول: « وبعدُ: فهذا ( تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد )
وجب عليّ تأليفه ، وتعيّن علي ترصيفه ، لما رأيته وعلمته من اتخاذ العباد الأنداد ،
في الأمصار والقرى وجميع البلاد ، من اليمن و الشام و نجد و تهامة وجميع ديار
الإسلام ، وهو الاعتقاد في القبور ، وفي الأحياء ممن يدعي العلم بالمغيّبات
والمكاشفات ، وهو من أهل الفجور لا يحضر للمسلمين مسجدًا ، ولا يُرى لله راكعًا
ولا ساجدًا ، ولا يعرف السنة ولا الكتاب ، ولا يهاب البعث ولا الحساب ، فوجب
عليّ أن أنكر ما أوجب الله إنكاره ، ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب الله
إظهاره » [16] .
ثم ذكر أصولًا خمسة وأعقبها بفصول شرح فيها التوحيد وما يضاده ، وبيَّن
فيها مذهب أهل القبور الباطل ، وأجاب على كثير من الاعتراضات ببيانٍ شافٍ
كاف . ثم قال في وصف حال أهل القبور: « فهؤلاء القبوريون والمعتقدون في
جهّال الأحياء وضلالهم سلكوا مسالك المشركين حذو القذة بالقذة ، فاعتقدوا فيهم ما
لا يجوز أن يعتقد إلاّ في الله ، وجعلوا لهم جزءًا من المال ، وقصدوا قبورهم من
ديارهم للزيارة ، وطافوا حول قبورهم ، وقاموا خاضعين عند قبورهم ، وهتفوا بهم
عند الشدائد ، ونحروا تقربًا إليهم . وهذه هي أنواع العبادات التي عرّفناك ولا أدري
هل فيهم من يسجد لهم ؟ لا أستبعد أن فيهم من يفعل ذلك ، بل أخبرني من أثق به
أنه رأى من يسجد على عتبة باب مشهد الولي الذي يقصده تعظيمًا له وعبادة ،
ويقسمون بأسمائهم ، بل إذا حلف من عليه حق باسم الله تعالى لم يقبل منه ، فإذا
حلف باسم ولي من أوليائهم قبله وصدقوه » [17] .
وقال أيضًا: « وكل قومٍ لهم رجل ينادونه ؛ فأهل العراق و الهند يدعون عبد
القادر الجيلاني ، وأهل التهائم لهم في كلٍ بلدٍ ميّت يهتفون باسمه يقولون: يا زيلعي ،
يا ابن العجيل ، وأهل مكة وأهل الطائف: يا ابن العباس ، وأهل مصر: يا
رفاعي ، يا بدوي ، والسادة البكرية ، وأهل الجبال يا أباطير ، وأهل اليمن: يا ابن
علوان ، وفي كل قريةٍ أموات يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع
الضر ، وهو بعينه فعل المشركين في الأصنام ، كما قلنا في الأبيات النجدية: ...
أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وودٍ ليس ذلك من ودي
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد
وكم نحروا في سوحها من بحيرة ... أهلت لغير الله جهلًا على عمد وكم طائف حول القبور مقبلًا ... ويلتمس الأركان منهن بالأيدي » [18]
لقد سادت الفوضى عالمنا الإسلامي ، وصار الطوفان الجاهلي هو المسيطر
عليه في جميع أمور حياته ، وأصبحت أمتنا المسلمة غثاء لا عبرة بها ، ولا يأبه
لها ، بل لا يقام لها قدر ؛ فنهبت خيراتها ، واستعمرت أوطانها ، وتهدمت أركان
حضارتها ، وغزيت في عقيدتها وثقافتها ، وانطبق عليها خبر الصادق المصدق
صلى الله عليه وسلم: « يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ،
فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء
السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن ،
فقال قائل: يا رسول الله ! وما الوهن ؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت » [19] .
واسمع إلى يراع الداعية المفكر الأستاذ محمد قطب فيما سطره عن حالة
الواقع المعاصر: « لا يحتاج الإنسان إلى كبير جهد ليدرك أن الواقع المعاصر
للمسلمين هو أسوأ ما مر بهم في تاريخهم كله ، ولا يحتاج إلى كبير جهد كذلك
ليدرك أن أوضاع المسلمين من السوء بحيث تجعلهم أسوأ كثيرًا حتى من الجاهلية
المحيطة بهم ، بل تبدو الجاهلية المعاصرة قمة شامخة يعيش المسلمون إلى جوارها
في الحضيض ؛ فإلى جانب التخلف المزري في كل جوانب الحياة السياسية
والحربية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والمادية والفكرية والخلقية ، يوجد
الضعف المزري لا أمام القوى العالمية وحدها ، بل أمام أصغر القوى وأضألها في
الدويلات الآسيوية والأفريقية المتخلفة في ذاتها ، الضعيفة في كيانها ، ولكنها
تستأسد على المسلمين ، فتقيم لهم المذابح بين الحين والحين ، وتجتاح أرضهم ،
وتخرب ديارهم ، وتنتهك أراضيهم ، وكأنهم حمى مباح لكل معتد أثيم .
وإلى جانب هذا وذلك ، الضياع الفكري والروحي الذي جعل الأمة الإسلامية
لأول مرة في تاريخها تنظر إلى الجاهلية على أنها أفضل منها ، وتنظر إلى الإسلام
على أنه رجعية وتخلف ينبغي الانسلاخ منه واتباع الجاهلية ! » .
ثم يقول: « وفي النهاية تحقق النذير ، تداعت عليهم الأمم كما تداعى الأكلة
إلى قصعتها ، بينما هم كثير كثير .. ألف مليون من البشر .. أكبر عدد وصلوا إليه
في التاريخ .. وفي القرنين الأخيرين كانت الكارثة التي لا تزال تعيش الأمة
عقابيلها إلى هذه اللحظة ظلت الصليبية الصهيونية تتآمر على الدولة العثمانية حتى
قضت عليها في النهاية وأسقطتها . وفتتت العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة
هزيلة ضعيفة ، تتصارع فيما بينها وتتشاحن بما يحقق مصالح الأعداء دائمًا ،
ويحقق لهم السيطرة على مقدرات المسلمين !
وانتزعت فلسطين ، واستولى الأعداء على بيت المقدس التي ثارت من أجلها
الحروب الصليبية الأولى ، وتحركت من أجلها الحروب الصليبية الثانية ، ولكنها
أعطيت في هذه المرة للشعب الشيطان ، واكتفت الصليبية بإرواء حقدها بنزعها من
يد المسلمين . ونحيت الشريعة الإسلامية عن الحكم في كل البلاد التي دنستها أقدام
الصليبيين تشفيًا وحقدًا من ناحية ، وزعزعة للدين من أصوله من ناحية أخرى .
فهم يعرفون أنهم حين ينقضون عروة الحكم تنقض بعدها بقية العرى ، كما أخبر
الصادق الصدوق صلى الله عليه وسلم: » لينقضن عرى الإسلام عروة عروة ،
فكلما نقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها ، وأولهن نقضًا الحكم وآخرهن
الصلاة « [20] .