وقد صدر في فبراير من العام الماضي، التقرير الدوري للبنتاجون ـ والذي (يصدر كل أربع سنوات) ـ كُشف فيه عن أن الحرب ضد (الإرهاب) بشِقَّيْها: الفكري والعسكري هي حرب طويلة، وأنها يمكن أن تستمر لثلاثين عامًا أخرى، وأنها تمثل المرتكز الأكبر في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لسنوات عديدة قادمة، وأكَّد التقرير على أن العالم كله هو ساحة تلك الحرب، وليس بلدًا واحدًا، أو قارةً بعينها. وفي منتصف عام 2006م صدر كتاب بعنوان: (الخطوات العشر لإنزال الهزيمة بالإرهاب العالمي) من تأليف (هارلان أُولمان) كبير المستشارين في مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية بواشنطن وصاحب استراتيجية (الصدمة والذهول) التي أشار بها في غزو العراق، والتي حوَّلها إلى كتاب بالعنوان ذاته، وقد ركَّز ضمن خُطُواته العشر على أهمية الاستمرار في (حرب الأفكار) باعتبارها الحل الوحيد لتجاوز التحدي الناشئ عن توليد المبادئ الإسلامية لأجيال جهادية جديدة، في ساحات جديدة لا يمكن احتواؤها، ولا اختراقها بسهولة.
? عولمة حرب الأفكار:
في محاولة للتغطية على الفشل المتصاعد في مخططات وخطوات حرب الأفكار، لجأت الولايات المتحدة إلى محاولة عولمتها بدلًا من الاكتفاء بأمركتها؛ حيث اتجهت في الآونة الأخيرة إلى تقسيم الساحة الدولية إلى قسمين: قسم: يمثل (القيم) الغربية، وقسم: يمثل القيم الإسلامية، مثلما كان حال تقسيم العالم إبَّان الحرب الباردة إلى عالمين: (شيوعي ورأسمالي) . والواضح أن هناك محاولة لتشكيل تكتل فكري غربي ضد العالم الإسلامي على غرار التكتلات الاقتصادية والتحالفات العسكرية، وقد أطلق بوش الأرعن أيضًا شرارة هذا الشر، ورفع شارته عندما تحدث في شهر مايو عام 2006م، عن خطر ما أسماه (الفاشية الإسلامية) ، حيث اعتبرها وريثة النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والشيوعية الروسية التي كافحها العالم الرأسمالي خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، إلى حين سقوط الاتحاد السوفييتي، وبعدها ذكر بوش ما وصفه بـ (الفاشية الإسلامية) ست مرات خلال ثلاثة أسابيع في خطبه وتصريحاته، قبل انتخابات التجديد النصفي لعام 2006م، حيث كانت عينه وعين نائبه (ديك تشيني) على فوز حزبهما في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2008م، والتي تمنيا لو يفوز فيها مرشح الجمهوريين لاستكمال ما بدأه تحالف الإنجيليين واليهود المحافظين.
وقد تحدث بوش في كلمته التي تكلم فيها عن ما أسماه (الفاشية الإسلامية) عن ضرورة حشد العالم في مواجهتها؛ لأنها ـ كما قال ـ: (تجسد عدداُ هائلًا ممتدًا في أنحاء العالم، يمثل خطراُ أشد من خطر موسوليني وهتلر وستالين معاُ) !
يعتبر المنظرون الفكريون في إدارة بوش أن (الفاشية الإسلامية) تشمل السنة والشيعة معًا، وخاصة أن إيران برهنت على عدائها عندما شنت هجومًا على (الدولة العبرية) من خلال أنصارها في لبنان صيف 2006م. وهو ما يدل في نظرهم على أن الخطر الإسلامي يتحول من خطر مجموعة من الحركات والنخب الفكرية إلى خطر أنظمة وحكومات تحمل فكر العداء والحرب ضد مطامح الغرب.
ويهدف ترويج مصطلح الفاشية الإسلامية إلى إقناع الأمريكيين والعالم بوجود خطر كبير، يستدعي ضرورة البقاء العسكري في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، وضرورة استمرار الحرب العالمية على (الإرهاب) بشِقَّيْها: العسكري والفكري.
? نقاط للتأمل:
-حرب الأفكار التي تشنها الولايات المتحدة وحُلفاؤها، هي في النهاية حربٌ لحساب الفكر الليبرالي الرأسمالي، الذي انتهى إليه نصارى الغرب بعد ثورتهم على الدين، وتعتبر (الليبرالية الأمريكية الجديدة) آخر صيغ هذا الفكر الذي يقوم على الترويج له في بلادنا تيار (الليبراليين الجدد) .
-الفكر الليبرالي مع تحلله من الثوابت والعقائد، إلا أن انحداره من خلفيات عقائدية، يهودية ونصرانية منحرفة، جعل معركته مع الإسلام ذات خلفيات دينية وهذا يُفسره تشبث كثير من المتنفذين السياسيين الغربيين بشعارات الدين، رغم علْمانيتهم وليبراليتهم.
-حرب الأفكار ـ بناءً على ما سبق ـ هي تسمية أُخرى لصراع الثقافات، الذي يظهر أنه قد بدأ قبل (صراع الحضارات) الذي بشَّر به أو دعا إليه المفكر اليهودي (صمويل هنتجتون) ، والذي سمَّاه المفكر الفلسطيني (إدوارد سعيد) بـ (صراع الأُصوليات) . وبما أنَّ الأُصوليات، هي خُلاصات العقائد، فإنَّ الصراع يتمحض مع الوقت بين العقائد الباطلة كلِّها، والعقيدة الإسلامية الصحيحة.
-الصراع بين الصحيح والمحرَّف من العقائد، هو جوهر (حرب الأفكار) الراهنة، والإسلام (غير المحرَّف) يُمثله في أنصع صورةٍ منهج أهل السنة والجماعة، ولهذا فإن حَمَلة هذا المنهج هم المستهدفون الأوائل في حرب الأفكار، مرةً باسم الأُصوليين، ومرةً باسم السلفيين، ومرةً ثالثة باسم الوهابيين، ولهذا نجد تقارير (معهد راند) وغيرها، تصبُّ في اتجاه تجييش العالم بكُفاره ومنافقيه ومرتديه ومبتدعيه ضدَّ أنصار هذا المنهج، الذي يمثل الدين الصحيح.
- (حرب الأفكار) تعكس شمول المواجهة مع أمة الإسلام، وكما يحشد الغرب لحروبه العسكرية الجيوش والمعدات والإمكانيات، فإنه يجهز لحروبه الفكرية جهود العشرات من مراكز التفكير ومعاهد الأبحاث، مستدعيًا تجاربه التاريخية ـ وبخاصةٍ مع الشيوعية ـ ومحاولًا في الوقت ذاته تجنيد طابور خامس من المرتزقة الفكريين في بلاد العرب والمسلمين، بحيث يكونون رديفًا لجيش الباحثين والمفكرين في تلك المراكز الفكرية الغربية، ولعل تقرير (مؤسسة راند) الأخير، عن إنشاء شبكات أو جماعات لتيار (الإسلام المعتدل) أو (الإسلام العلماني) ، يؤكد هذا التوجه.
-مع كل ما يبدو من إشاراتٍ على الهزيمة الأمريكية والغربية في (حرب الأفكار) فإنَّ هذا لا ينبغي أن يصرفنا عن استشعار خطرها، والاستمرار في تطوير الأساليب للتصدي لها، باعتبارها أدقَّ وأخطر من الحرب العسكرية؛ لأن حرب الأفكار بالمعنى الذي سبق استعراضه، هي حرب باردة جديدة، وهي أخطر من الحروب الساخنة؛ لأنها تستهدف ما في العقول والقلوب، بينما تستهدف الأُخرى ما تحت الأيدي والأرجل، ولأن الحروب الساخنة يمكن أن تتوقف أو تبرد، ولكن صراع الفكر والمناهج، يظل مستعرًا.
والذي نعتقده، أنَّ الإسلام العظيم، عظمته ذاتية، ولذلك فإنه يسجل بخلوص الولاء له أمجادًا لأهله وحامليه، كما يسجل انتصارات ومعجزات عسكرية ـ بإذن الله ـ بأدنى الإمكانات المادية المستطاعة، كالذي هو حاصلٌ في العراق وأفغانستان وغيرهما، وبدون سندٍ ولا مددٍ لأنصاره إلا من الولي النصير سبحانه؛ فإنه سوف يحرز انتصارات أُخرى مماثلة في (حرب الأفكار) بعونٍ من الواحد القهار، مكور الليل على النهار.
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} . [يوسف: 21]