ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك؛ إدخال نمط الطعام الغربي لحياتنا، حتى أصبح الطعام بهذه الصورة ثقافة، ونستشعر ذلك في الاحتفال الضخم الذي أقامه الأمريكان لافتتاحهم أول فرع لـ (ماكدونالد) في القاهرة أو في روسيا، فالربح الماديّ ـ باعتباره العامل الاقتصادي الأكبر ـ لم يكن هو الدافع الوحيد لكل هذا الابتهاج، ولكن المسألة تتلخص في أنه بافتتاح (ماكدونالد) ـ باعتباره واجهة تغريبية ـ يمكن نشر مجموعة من التقاليد والسلوكيات الأمريكية، مما يمثل نوعًا من الغزو المستتر، ونموذجًا للحرب الطاحنة للنفاذ إلى العقول والقلوب، التي قد تصل في بعض الأحيان إلى التلويح باستخدام القوة، من أجل فرض قيم معينة.
ومن نماذج هذا الصراع، ما يجري بين (الأمركة) و (الفرانكوفونية) ، على النفوذ والوجود الثقافي في القارة السوداء، والمستعمرات الفرنسية السابقة.
? وهل من علاقة بين (التنمية) و (التنصير) على اعتبار أن (التنصير) هو أعلى غايات (التغريب) ؟
د. مصطفى حلمي:
الغرب من حيث أنه يمثل وحدة تركيبية تتفاعل فيه مجموعة مؤثرات دينية، وأخلاقية، وعرقية، واقتصادية، والأقرب أنه كيان ثقافي، وظاهرة حضارية.
لكن التنصير يبرز ممثلًا أحد مظاهر نشاطه التغريبي، وأبرز أشكاله البروتستانتي بزعامة الولايات المتحدة، والكاثوليكية بزعامة فرنسا، ويقدم تحت ستار (النشاط الإحساني) ـ وفق تعبيرهم ـ المتمثل في المساعدات والإعانات الخيرية والاجتماعية، أو تحت ستار (النشاط العقلاني) عبر المدارس التنصيرية والنشرات وجهود المستشرقين، وغالبًا ما تقرن مشروعات التنمية بـ (تحت راية الصليب) ، ويزداد الأمر دهاءً في بعض الأحيان فيطلقون على التنصير نفسه وصف التنمية.
? في أحيان كثيرة يبرز دور الشركات المتعددة الجنسيات فيما يطلق عليه (التنمية) ، هذه الشركات التي قد تفوق ميزانيتها ميزانيات بعض الدول.
فما صلتها بخطط التغريب؟
د/ مصطفى حلمي:
نعم، لقد أصبح لها دور خطير في توجيه سياسات الدول واقتصادياتها، وأنماط حياتها، فلم يعد الربح هو الهدف الوحيد، ولكن (السّلطة) أيضًا إلى جانب تبديل الوعي الثقافي، وهذا يعتبر نقضًا للميثاق الذي يقضي بأنه (لا يجوز من مثل هذه الشركات، التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد التي تعمل فيها) ، وقد بين لاتوش سذاجة من يثق في هذا الميثاق.
? مظهر آخر لعله من أخطر مظاهر (التغريب) ، أو (التخريب) ، ما يسمى بـ (حوار الأديان) ، الذي صار الغرب يلعب من خلاله، على كثيرٍ ممن ينتسب إلى العلم والتوجيه الشرعي، ويلبّس به على عامة الشعوب.
د/مصطفى حلمي:
تكاثرت في الفترة الأخيرة الدعوة إلى الحوار بين الأديان، ولهذه الدعوات مغزاها ودلالاتها، وحصادها الخبيث الذي بدأنا نصطدم به في واقعنا.
والمتابع للمؤتمرات التي تعقد تحت هذا المسمى، فإنه يدرك من مجرياتها مدى الغزو الفكري، والعقدي المقنع، الذي يُدس من خلال التشكيك والاتهام من جهة واحدة، ضد جهة واحدة، (الأديان الأخرى) ضد (الإسلام) .
د/جمال عبد الهادي:
لا يجوز بأي حال من الأحوال، أن تطرح مسائل العقيدة، والقيم، والأمور المعلومة من الدين بالضرورة للحوار، أو تكون موضوعًا للتفاوض؛ لأنها من النظام العام لهويتنا؛ بل هي النظام العام نفسه، الذي لا ينبغي لتعليم ولا لإعلام أن يخالفها، وإلا كان هادمًا لهوية الأمة، معرضًا أمنها للخطر، ومستقبلها للضياع، وأما ما يجري في مثل تلك المؤتمرات بحجة مسايرة العصر، أو التفاعل مع الحضارات الأخرى، ففرية تحيل الأمة إلى (قرد) يقلد الآخرين، و (ببغاء) يردد ما يقال دون أن يعلم له معنى.
وأما الاحتجاج بمصلحة الوطن فوهمٌ؛ لأنه لا قيمة للوطن إذا كان يسكنه شعب ضائع، مستعبد على أرضه، يعيش ليأكل، ويتمتع كما تتمتع الأنعام.
ما الحل؟
? بعد أن تبين حجم التحدي وقدر المخاطر المحدقة بنا نريد أن نرسم خريطة تكون بمثابة ورقة عمل تجمع الجهود المتناثرة، وتحدد الأدوار التي يمكن تقديمها من أجل استعادة الهوية المضيعة.
الشيخ محمد:
ابتداءً، نحن لا نبتدع هوية مفقودة، ولكننا نريد استعادة الوعي بالهوية الموجودة التي صارت كأنها صفحة مكتوبة تراكمت عليها طبقات الأتربة، حتى صارت غير مقروءة؛ لأن أحدًا لم يحاول قراءتها منذ زمن، فالواجب هو إزالة هذه الأتربة، واستحضار واجترار، وإحياء الأفكار والقيم التي يطلب الوعي بها من وراء حائط النسيان، وهذا الهدف لا يتم إلا بعد تحديد الوسائل، وتوظيف الطاقات المتاحة.
وأهم هذه الوسائل:
ـ تدعيم دور الإعلام الإسلامي بكافة أشكاله ليؤدي دوره في:
1-إحياء حركة تجديد الدين بالمفهوم السلفي الواضح، لنعود إلى منابع الإسلام الصافية متمثلة في (منهاج النبوة) ، بعيدًا عن مخلفات القرون.
2-الدعوة إلى حتمية الحل الإسلامي لمعضلات واقعنا الأليم، وتحرير الهوية من كل مظاهر الخَوَر والتبعية، والقضاء على العقبات التي تحول دون تطبيق الإسلام كمنهج شامل للحياة.
3-التصدي لمحاولات تذويب الهوية الإسلامية، وقطع صلة الأمة بدينها، والتي تجري اليوم على قدم وساق من خلال تخريب مناهج التعليم، وتشويه التاريخ الإسلامي، وإضعاف اللغة العربية، ومزاحمة القيم الإسلامية بقيم غربية، وغير ذلك من أنشطة (التبشير) العالماني والغزو الفكري، وتسميم الآبار الإسلامية، أو ما يُطِلق عليه الذين لا خلاق لهم عبارة: (تجفيف المنابع) بلا مواربة ـ نسأل الله أن يجفف الدم في عروقهم، وأن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ويريح البلاد والعباد من شرورهم.
د/جمال عبد الهادي:
يمكن إضافة هذه النقاط إلى ما ذكره الشيخ محمد، وهي:
4-بذل الجهد الشخصي في الدعوة إلى الله، ونشر الدين بين الناس؛ مثل إقامة حلقات تحفيظ القرآن ولو في البيوت: (( ... وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ) ) [يونس: 87] ، وكذلك في الجامعات والمدارس والمساجد.
5-فتح المدارس الإسلامية، وتشجيع القائمين عليها، وتحفيزهم، والإصرار على إنجاح هذه الفكرة من الجميع.
6-تأسيس الجمعيات والمؤسسات الخيرية، التي تنشر الدين، وتحفّظ القرآن وتعلّم واللغة.
7-تنبيه أولياء الأمور إلى خطورة المدارس الأجنبية على دين أولادهم وانتمائهم.
8-إعداد خريطة إسلامية في مجالي التعليم والإعلام، ومن ذلك توجيه نظر المعلمين إلى خطورة المسؤولية الملقاة على عاتقهم؛ لأنه رغم كل ما يجري، يستطيع المعلم بفضل الله أن يربي النشء على التمسك بهويته الإسلامية، وكذلك الحرص على إيجاد منافذ إعلامية لمخاطبة الناس من خلال إعلام إسلامي بديل.
9-الإشادة بالدعاة والعلماء، وتوجيههم إلى أهمية أن يكون الخطاب الدعوي متكاملًا، يركز في جوانب منه على مقومات الشخصية الإسلامية، وعرض الدين كنظام حياة متكامل، (كخلافة للإنسان في الأرض) .
10-فضح ما يجري في مجالي التعليم والإعلام، تحت مسمى التنوير لتخدير الأمة، ويدخل في ذلك؛ مقاطعة المجلات والصحف التي تحارب الهوية الإسلامية، وتشيع أنماطًا للحياة غير الإسلامية.
مجلة البيان* العدد 130*جمادى الآخرة 1419هـ * أكتوبر 1998م