أولًا: استهداف المساجد بالحرق والتدمير والاستيلاء، وقد تم في بغداد استهداف أكثر من مائتي مسجد وجامع، بينها أربعون أحرقت بالكامل، وهي شاخصة حتى اللحظة تشكو إلى الله جرأة من وصفهم القرآن الكريم بأنهم (أظلم) ، الذين منعوا مساجد الله إن يذكر فيها اسمه وسعوا في خرابها، وهي تنتظر أن يحل فيهم وعيده"أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم عذاب عظيم".
وما يزال استهداف المساجد قائما حتى اليوم من قبل الميليشيات الطائفية، ويستهدف ـ كل أسبوع ـ كمعدل من مسجد إلى ثلاثة مساجد، إما حرقا أو هدما، أو استهدافا بأسلحة الآربي جي أو الأسلحة الرشاشة.
كما لا يزال قسم كبير من هذه المساجد مغتصبا، يمنع أهل الحي من قصدها للصلاة فيها، وبعضها يستغل مكاتب للميليشيات من اجل جمع المعلومات عن الشخصيات الوطنية في الحي الذي يتواجد فيه الجامع بغية تصفيتهم، أو حملهم على الهجرة قسرا.
ثانيًا: قتل الأئمة والخطباء وتعذيبهم بطريقة مقصودة في البشاعة لإلقاء الرعب في نفوس الآخرين على نحو يحملهم على ترك مساجدهم، وقد قتل حتى الآن أكثر من 180اماما وخطيبا جلهم أئمة وخطباء، وفيهم علماء أركان لا يعوضون، احدهم بمنزلة الأمة في العلم والنشاط في الدعوة، وقد سحلت جثث بعضهم بالأزقة والطرقات العامة، كما حصل للشيخ الشهيد غازي الزوبعي إمام وخطيب جامع الصبار في حي الحسينية ببغداد وغيره، ويوجد ضعف هذا العدد في سجون الاحتلال وسجون الحكومة وسجون الميليشيات.
والطريقة التي يعذب فيها هؤلاء العلماء الأجلاء، ربما لا تخطر على بال الشيطان نفسه، مثل غرس المثاقب الكهربائية في الأجساد عامة والرأس خاصة، أو كي المعتقلين بالمكواة، أو غمسهم في أحواض ماء النار، أو شد الأكف بمسامير الحديد إلى الجدران، أو رضخ الرؤوس بين كتل الحديد، وغير ذلك مما لا يحتمل ذكره، ولا يتوقع حصوله.
ثالثًا: استهداف الكفاءات العلمية العراقية، فقد قتل أكثر من 300 أستاذ جامعي وباختصاصات نادرة معظمهم من كل المكونات العراقية، وان كان معظمهم من السنة، وقتل أكثر من 60 طبيبا وعشرات آخرين أصحاب كفاءات نادرة، كان من آخرهم أخونا الكبير الشهيد الدكتور عصام الراوي (عضو مجلس شورى هيئة علماء المسلمين، ورئيس رابطة التدريسيين الجامعيين) .
رابعًا: الدفع باتجاه إفقار هذا المكون بشكل عام من خلال طردهم من مواقعهم في الأسواق والجامعات و ميادين العمل الأخرى، وخطف أبنائهم ثم مساومتهم على الإفراج عنهم مقابل مبالغ خيالية يضطر معها ولي المخطوف إلى بيع ممتلكاته واستهلاك أمواله ـ وأحيانا ـ داره التي يسكنها، ومع ذلك ففي الغالب يستلم ولده بعد أن يدفع المبلغ جثة هامدة عليها آثار تعذيب مروعة، وقد لا يستلمه أصلا، وكثير منهم وجدوا أبناءهم قد دفنوا بعلم من الحكومة أو تسهيل للمهمة من قبلها في مدن الجنوب مثل كربلاء والنجف مع أنهم ليسو من أهالي هذه المدن، والأسوأ من ذلك أنهم عثروا على أبنائهم هناك مدفونين في مقابر جماعية، كتب عليها القائمون على الدفن، هؤلاء ضحايا الإرهابيين، فيا لدناءة التصرف، ويا لسخرية الأحداث!!
وبأموال الحرام هذه، وبما يسرق من المال العام، وبأموال يدفعها المحتل، وأخرى تأتي من الخارج، تواصل هذه الميليشيات مسلسلها الدموي
ومن هذا القبيل أيضا استهداف تجارهم وطردهم من متاجرهم وإخلاء الأسواق الرئيسية منهم، وقد تم إخلاء كل من سوق الشورجة وسوق جميلة وهما أكبر سوقين في بغداد من هؤلاء التجار
وحتى الأمريكيين يتخذون خطوات تصب في الاتجاه نفسه، وقد حدثنا بعض التجار أنهم اجتمعوا مع مدير في شركة حاسوب IBM في دولة عربية، وكان لديه عقد للحكومة العراقية بملايين الدولارات، فاشترط أن ألا يكون التاجر أو الوسيط من أهل السنة!!
خامسًا: ضرب البنى التحتية لهذا المكون من مدارس ومستشفيات تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.
هذا ما يفعله الأمريكيون.
أما الحكومات المتعاقبة في ظل الاحتلال، ومنها الحكومة الحالية فماضية بتخطيط مدروس في هذا الاتجاه..
فوزارة الصحة ـ على سبيل المثال ـ التابعة للتيار الصدري لا تقدم في الغالب دعما للمستشفيات في المناطق السنية بحجة عدم وجود الأمن في المنطقة أو أنها مستشفيات تدعم الإرهاب، أما مستشفيات بغداد فمسيطر عليها اليوم من قبل التكتلات والميليشيات الطائفية، والمريض الذي يسوقه قدره إلى إحدى هذه المستشفيات يؤول مصيره إلى ثلاجة الأموات فيها، وحتى الطب العدلي الذي يقوم بتسليم جثث الموتى غدا مصائد لذويهم، فكل من جاء يتسلم جثث موتاه يجد الميليشيات بانتظاره لتلحقه بمن سبقه، وقد سجلت حادثة مروعة أن أحدهم قتلت له الميليشيات ولدا وأخا، وعلم أن جثتيهما في الطب العدلي، وكان على علم بما تفعله الميليشيات من قتل من يأتي لتسلم الجثث أيضا فانتدب من عشيرته خمسة وعشرين شخصا، ليتمكن بهم من استلام جثة كل من ولده وأخيه، وكانت الصدمة له غير متوقعة كادت تذهب بعقله، إذ اختطفت الميليشيات من انتدبهم جميعا، وحتى الساعة لا يعرف لهم خبرا !!
إن الواقع الطبي والصحي والخدمي في العراق يمر بمرحلة خطيرة وهي مرحلة الإهمال المتعمد لمناطق معينة دون أخرى، فمحافظة الأنبار التي تعدل مساحتها ثلث العراق وتزيد نسماتها على مليون ونصف نسمة لا يوجد في مركز محافظتها سوى مستشفى واحد، وقد تعرض للدمار منذ ثلاث سنوات نتيجة لاجتياحات قوات الاحتلال وهجمات الحرس الوطني والشرطة، ومدينة الفلوجة والقرى التابعة لها ذات الكثافة السكانية العالية لا تمتلك سوى مستشفى قديم تعرض للدمار مرتين خلال الهجوم العسكري الأمريكي في نيسان وتشرين الثاني من سنة 2004.
وهذه حال مستشفيات أخرى دمرت عن عمد في مناطق معينة مثل القائم وحديثة وعانة وهيت وغيرها، وكذلك في محافظات أخرى مثل ديالى وصلاح الدين والموصل، ومناطق أخرى.
إن التقارير التي تأتي عن واقع المستشفيات مخيف، فهل يعقل أن عمليات الولادة تجري في العراء أو في خيم نصبت لتعويض صالات الولادة التي سويت بالأرض نتيجة القصف كما هو الحال في مستشفى القائم مثلا، وهل يعقل أن أحد الخطباء، يقسم على منبر الجمعة انه بسبب هذا الحصار الظالم، والاضطهاد اضطره ليمارس دور الطبيبة في توليد زوجته..
وهل يعقل أن الجرحى المدنيين يموتون نزفًا إما بسبب كثرة الأعداد التي لا يمكن استيعابها كما هو الحال في مستشفى الفلوجة أو لعدم وجود أكياس لنقل الدم كما هو الحال في مستشفى سامراء.
وهل يعقل أن مستشفى في وسط بغداد وهي مستشفى النعمان في الأعظمية ليس فيها مغذيات أو جهاز لسحب السوائل، والمرضى يموتون أمام أعين الأطباء ولا يستطيعون أن يفعلوا لهم شيئا، في الوقت الذي تنعم فيه مستشفيات أخرى بكل المستلزمات.
إن التأثير الطائفي البغيض الذي تمارسه السلطة الحاكمة في البلد لم يقتصر على السياسة في الحكم وتوزيع الكراسي والمناصب بل تجاوز ذلك ليشمل الخدمات الصحية والاجتماعية والخدمية الأخرى، ولو كان بمقدرهم أن يحجبوا الهواء عن الآخرين لفعلوا.