وعليه فالشعوب العربية ومعها مكونات هذه المنطقة الجغرافية التي تشكل كيان ثقافي متجانس , تعيش حالة استعصاء تاريخي أهم مسبباته هو في التاريخ أولًا , أي في لحظات الضعف والوهن القومي والديني , التي حولت القومية إلى شعور وحلم ووهم , والدين إلى مصالح سياسية طغت على دوره الرسالي العام الذي بشر به الرسول محمد (ص) ثانيًا, ومخلفات تفكك الدولة الإسلامية وبعدها مرحلة الإستعمار ثالثًا , والنظم الفكرية والسياسية التي أنتجها وجود الإستعمار ورفعت شعارات الإستقلال كهدف مرحلي بدون برامج للمستقبل رابعًا , وتصدر مرحلة مابعد الإستقلال نظم فكرية وسياسية هجينة ليست بمستوى المرحلة التاريخية التي تمر بها الشعوب العربية والمنطقة بشكل عام خامسًا, وبقيت الشعوب تراوح في ظل أنظمة فاقدة العلم والعقل والدين والبرنامج من جهة , وظالمة ديكتاتورية فردية فاقدة الشرعية والمسؤولية ,وهمها الوحيد هو الإستمرار في الحكم دون امتلاك أدنى المؤهلات الفكرية والدينية , وبشخصيتها (الكثة) هذه التي غدت مأوى للفساد , لم تجد أمامها سوى التعامل مع المشاريع الخارجية لتدخل المنطقة في دوامة الوصاية والجهل والعنف والتطرف وحالة الإستعصاء العام التي هي فيها .
أخيرًا نختصر وننظر إلى الواقع الحالي بدون القفز أو الهرب من الماضي ونسأل: هل الضعف هو في عزل القومية عن الدين ودفعهما للمواجهة ؟!, والتي عبرت عنه مايسمى العلمانية العربية بمقولة نظرية سليمة ( فصل الدين عن الدولة ) وملغومة واقعيًا وعمليًا بكل سهام التفكيك والتفتيت , أهو خطأ في المفهوم ,أم عجز في أدواته وتجلياته العربية ؟!
كيف يتخلص الإعلام العربي من جاهليته*
زياد علي خليل الطويسي **
إن للبحث عن طرق ووسائل نستطيع من خلاها إنقاذ إعلامنا العربي من الجاهلية التي يعيشها أمر لا بدّ منه ، خاصة أن الإعلام العربي هو الشيء الذي يؤثر فينا أكثر من غيره ، ولأن واجب المثقفين والمفكرين لا يختصر على قضاياهم الشخصية وقضايا مجتمعهم فقد ، لا بدّ وأن أحدثكم عن أهم الخطوات والوسائل الذي تُبعد إعلامنا المعاصر وتنقذه من جاهليته .
أولًا: لا بدّ من وجود قانون عربي موحد يحكم الإعلام ويحدد أولوياته ، ولا بدّ على واضعي هذه الأنظمة والقوانين أن يكونوا ممن خاضوا التجربة الإعلامية ، ومن الإعلاميين المشهود لهم بالقدرة على خدمة الإعلام .
يقول سامي دسوقي في كتابه (( قضايا الإعلام الدولي ) ):"لا يوجد في مصر قانون لاستقاء المعلومات ، مثل القانون الذي يجعل من حق الصحفي الحصول على معلومات من أية مصادر ما دامت تلك المعلومات لم يصدر بحظرها قانون لمسائل الأمن القومي".
كما يقول:"والقانون صدر في المملكة المتحدة وله مثيل في الولايات المتحدة ولولا تلك القوانين لما تمكنت الصحافة القومية الأمريكية من كشف صفقة الأسلحة الأمريكية لإيران .."
ويضيف أيضًا:"إن صدور مثيل لهذه القوانين في مصر / العالم العربي لهو بداية لنشر الحقائق في مصر / العالم العربي ولا طريق لصحافة مستنيرة بغير معلومات تسقى بحكم القوانين".
يوضع القانون الإعلامي العربي وفق ما هو آت .
1.دراسة مظاهر جاهلية الإعلام العربي المذكورة سابقًا ووضع الحلول الجذرية لكل منها .
2.تحديد أولويات الإعلام العربي وأعماله المختلفة وأهدافه .
3.تفعيل الأنظمة التي من شأنها أن تعزز عمل البرامج والمنجزات الإعلامية التي تعود على الأفراد والمجتمعات بالنفع .
4.وضع الأنظمة المختصة بأنواع الإعلام التي تشهد الجاهلية بشكل ينظم عملها ويساهم في إبعادها عن الجاهلية الإعلامية تدريجيًا .
5.الضغط على البرامج والأعمال الإعلامية التي تحوي جاهلية يصعب اجتيازها ، وذلك بالتقليل من شأنها ، وقلة الاهتمام بها من قبل القانون ، ومنع بعضها .
6.وضع غرامات مالية هائلة على كل عمل إعلامي يستمر في جاهليته .
7.منع أي عمل إعلامي يولد جاهلية جديدة .
8.الخروج بالإعلام العربي من إطاره المحلي إلى الإطار العالمي ، وذلك بالدعوة إلى تأسيس الصحف والإذاعات والمحطات الإعلامية العربية الناطقة بلغات أجنبية .
وبهذه الخطوات نكون قد وضعنا الجوهر الأساسي لوضع قانون إعلامي عربي موحد ، ومن أهم المنجزات التي نحققها للإعلام العربي من خلال وضع قانون عربي موحد ما يلي:-
1.تنظيم عمل الإعلام العربي بمؤسساته المتعددة وأهدافه المختلفة .
2.التقليل من الجاهلية الإعلامية العربية ، والقضاء عليها تدريجيًا .
3.تقديم الفائدة والنفع بشكل كبير للمواطن العربي .
4.محاولة القضاء على الغزو الثقافي والفكري الخارجي .
5.تحسين صورة الإعلام العربي ، وإظهاره بمظهر القادر على مواجهة التحديات التي تواجه الأمة ومسايرة روح العصر.
6.تعريف العالم بالقضية العربية ، وتثقيف العالم بشكل أوسع عن العالم العربي ، ونقل قضاياه من إطارها المحلي إلى الإطار العالمي ليتسنى للمواطن الغربي رؤية الحقيقة ، وتعريف العالم بالحضارة والتراث الذي نمتلكه ، وقد تجعلنا هذه النقطة نساهم في إنشاء غزو ثقافي إعلامي عربي موجه للعالم الغربي الذي يعمل على تهميش الكثير من القضايا العربية حيث جاء بهذا الخصوص في كتاب الصحافة الأمريكية والشرق الأوسط تحت عنوان غزو إسرائيل للبنان:"جاء في تقرير مراسلة النيويورك تايمز جوديت كوبون"فإن القصف الإسرائيلي قد أصبح روتينيا ، بحيث أنه لم تتم تغطيته في الصحافة الأمريكية...رغم أن الهجمات الفلسطينية كانت دائمًا تشكل أخبار الصفحة الأولى ، وتثير ادانة واسعة"."
وبعد أن تعرفنا على الفائدة التي نجنيها من إيجاد ما يسمى بالقانون العربي الموحد للإعلام العربي ، لا بدّ أن تُباشر الجهات المعنية العمل بالفور لإيجاد مثل هذا القانون الذي لربما ينقذ إعلامنا من جاهليته ، ومن التحدي الغير قادر على مواجهته ، وتبين لنا من خلال جاهلية الإعلام العربي المعاصر أنه يعاني من استعمار خارجي وقد وضع فيه هذا الاستعمار ما وضعه بعالمنا العربي من تجزئة وتبعية وتخلف .
وتظهر التجزئة باختلاف الأهداف التي تسعى لها المؤسسات الإعلامية المختلفة حتى وإن كانت أحيانًا تمارس العمل نفسه ، أما التبعية فتظهر بالتبعية إعلامنا العربي المباشرة للإعلام الغربي من خلال سيطرته على إعلامنا واشتراكهما في غزو المواطن العربي ثقافيًا وفكريًا ، أما التخلف فيظهر في عدم قدرة الإعلام العربي عن اداء واجبه بالشكل المراد ، وكذلك عدم قدرته على مواجهة هذه السيطرة ووضع حد لها ، وهذا أساس الجاهلية التي يعاني منها إعلامنا العربي ، فضرورة وجود قانون عربي موحد للعمل الإعلامي العربي هو السبيل الوحيد القادر على إخراجنا مما نحن عليه من استعمار وتجزئة وتبعية وتخلف إعلامي ، كما أن إيجاد قوانين جديدة لعمل الإعلام العربي أمر ملح لا بدّ منه حيث أننا لا نستطيع أن نصل إلى مرادنا ، ولا نستطيع أن نحقق ما نريد من الرقي لعالمنا العربي ، إلا إذا قدرنا على إصلاح المواطن العربي ، وتوحيد الفكر الصحيح لدى الشعوب كافة ، وهذا لا نستطيع القيام به إلا عن طريق إعلامنا العربي بصفته الجليس الذي يعيش في بيت كل منا ، ولتوضيح مقصدي من هذا سأطرح عدد من الاقتراحات المهمة التي تستطيع خدمة الوطن والمواطن ، وتجمع الفكر العربي وتوحده .