هي البلاد التي أنجبت لقمان الحكيم، النجاشي، بلال، أم أيمن حاضنة سيد الخلق محمد بن عبد الله - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم -، ووالدة حِبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد، وأمثال مهجع الحبشي، وأبي بكر الحبشي، وشقران الحبشي، وذو مخمر الحبشي، وهلال الحبشي، ويسار الحبشي وغيرهم وكلهم كانوا من الصحابة الأجلاء الذين وقفوا بجواره - صلى الله عليه وسلم - في ساعة العسرة والمحنة، ولا شك أن العناية والاهتمام الذي ناله المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من أم أيمن - وبالذات بعد وفاة والدته وهو صغير - حتى قال فيها:"أم أيمن بعد أمي"، ومنه نال الأحباش حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قال فيهم: (من أدخل في بيته حبشيًا أو حبشية أدخل الله في بيته بركة ) .
ومن ناحية أخرى هي البلاد التي أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما كان وأصحابه الكرام في محنة ومشقة وحصار بأن يهاجروا إليها قائلًا: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه) ، وكان نتيجة ذلك أن أصبحت الحبشة بلاد الهجرتين، ودخل الإسلام فيها قبل أن يدخل طيبة الطيبة، وكان نصيبها أن استقبلت أعظم وأفضل وخيرة وصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأوائل أمثال: عبد الله بن جحش، عبد الرحمن بن عوف، جعفر بن أبي طالب، عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومصعب بن عمير، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن مظعون، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد، وعتبة بن غزوان، وعبدالله بن مسعود وغيرهم.
وكان من الفضل والأولوية أن تكون هذه العوامل والظروف والمواقف وسائل لأن تنال الحبشة وبالذات المسلمون فيها جل الاهتمام والعناية من إخوانهم في العقيدة الإسلامية - وبالذات عرب الجزيرة العربية - من خلال توطيد وتطوير العلاقات المختلفة السياسية منها، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، إلا أن الذي حدث هو العكس للأسف الشديد، حيث كان التباعد والانفصال والانقطاع والتجاهل هو سيد الموقف خلال العصور المختلفة، حتى أصبح يُقال:"هل يوجد مسلمون في إثيوبيا (الحبشة) "، وحتى تم تسجيلهم في الهيئات والمنظمات الإسلامية العالمية كأقلية إسلامية، وتم التلفيق والتزوير والتضليل في نسبهم السكانية في أنهم يمثلون خمسة وعشرين في المئة من عدد السكان في البلاد، ويا ترى من كان السبب في ذلك؟ ومن يقف وراء هذا الظلم الشنيع؟ ولماذا تم اتخاذ ذلك من الأهداف والوسائل الخبيثة؟ ومن المستفيد من وراء ذلك؟
مسلمو الحبشة غالبية عظمى من عدد سكان إثيوبيا البالغ سبعين مليون نسمة حسب الإحصائية الأخيرة، ويمثل المسلمون فيها ستين في المئة فأكثر.
تعرض المسلمون في هذه البلاد إلى جميع وسائل التنكيل والقتل، والاضطهاد والتشريد، والحرمان من أبسط الحقوق، وتم إقفال البلاد أمام جميع وسائل الإعلام العالمية المختلفة السمعية منها والبصرية والمقروءة حتى لا تنكشف وتتضح هذه الجرائم البشعة.
مُنع المسلمون من الخروج من البلاد نهائيًا، وتم منع دخول المسلمين من الخارج إليهم، فلا يُسمح لمسلم في البلاد الاتصال بأي وسيلة كانت بإخوانهم في العقيدة الإسلامية في العالم، ويُسمح لكبار السن من مسلمي إثيوبيا (وفي أضيق الحدود وبعد البحث والتحري والمراجعة) بالحج والعمرة، ويكون هؤلاء في أجواء من المراقبة والمتابعة لتحركاتهم ولقاءاتهم وتنقلاتهم أثناء تواجدهم في الأراضي المقدسة في مكة والمدينة.
أما الشباب المسلم فليس بالإمكان الخروج من البلاد نهائيًا، ومن استطاع الخروج منهم من البلاد يُعدون على الأصابع استطاعوا استخدام طريق البر مشيًا على الأقدام للوصول إلى السودان، ومن ثم الوصول إلى مصر، والالتحاق بالجامع الأزهر للدراسة، أو تغيير الاتجاه للوصول إلى السعودية، ومن ثم الالتحاق بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
وهذه الفئة القليلة حتى بعد نيلها الشهادة الجامعية لا تتوفر لها الوظائف المناسبة داخل البلاد للعمل فيها؛ مما يضطرهم للبقاء خارج البلاد، والعيش في حياة الغربة بعيدين عن الأهل والوطن، ومن رجع منهم إلى البلاد (وبعدد محدود جدًا) التحق - وبشق الأنفس - بالمحكمة الشرعية التي هي أصلًا محكمة صورية لا صلاحية لها، ولا مكانة لها في المجتمع. حيث من ينتسب إليها كموظف يعتمد له رواتب شهرية لا تزيد عن مئتي بر شهريًا، في حين ينال الموظف المعتمد في المحاكم المدنية الأخرى ما بين ستمائة وسبعمائة بر شهريًا، ناهيك أنه لا يتم اعتماد هذه الشهادات الجامعية المصرية والسعودية من قبل الجهات الرسمية الحكومية كشهادات معتبرة رسمية، مما اضطر المتخرجين من الجامعات العربية والإسلامية البسطاء أصلًا للبقاء خارج البلاد كمهاجرين.
وهنا نعود لننظر إلى أوضاع المسلمين في الأنظمة المختلفة التي مرت بهذه البلاد.
أولًا: المسلمون في عهد الأباطرة والملوك الذين حكموا هذه البلاد، واستمر حكمهم حتى عام 1967م، وهنا نذكر على سبيل المثال فقط عهد الإمبراطور تيدروس، ويوحنا، ومنليك، وهيلا سلاسي.
في عهد الإمبراطور تيدروس:
كان هذا الملك يعتبر الحبشة والمسيحية صنوان لا يفترقان؛ لذا عمل جاهدًا على اعتناق المسلمين المسيحية، وعندما أصبح تيدروس في أوج قوته عمل على تحقيق ثلاثة أهداف هامة:
1-القضاء على سلطة الطبقة الأرستقراطية والإقطاعية في البلاد.
2-القضاء على قبيلة الجالا أو اعتناقهم المسيحية.
3-طرد جميع المسلمين الذين لا يعتنقون المسيحية من البلاد.
في عهد الإمبراطور يوحنا الرابع للفترة (1872- 1889م) :
ولقد تميز عهده بشدته وقسوته على المسلمين، وحدد فترة أقصاها ثلاث سنوات حتى يتحول المسلمون إلى الدين المسيحي، وفرض على المسلمين أن يبنوا كنائس على نفقتهم بجوار مساكنهم، وأن يأكلوا اللحوم التي ذُبحت على أيدي المسيحيين، وأن يدفعوا عشورًا خاصة للقسيس والكنائس التي في منطقتهم، وأخذ يستعمل مختلف الوسائل لتعذيبهم، والحطّ من شأنهم، فلجأ كثيرون منهم إلى الفرار من الهضبة إلى المناطق البعيدة عن سلطانه، بينما اضطر الكثيرون إلى التظاهر باعتناق المسيحية حتى يأمنوا على أنفسهم وعلى أرزاقهم، لكنهم ظلوا في صميم قلوبهم مسلمين متسترين على إسلامهم، حتى إذا حانت ساعة وفاة أحدهم نطق بالشهادتين.
وفي سنة 1878م عقد الملك يوحنا مجمعًا يضم رجال الكنيسة الحبشية، ونادوا به حكمًا أعلى في المسائل الدينية، وقرروا وجوب الاقتصار على دين واحد في كافة البلاد، وأعطى المسيحيين على اختلاف طوائفهم الذين لا يعتنقون مذهب اليعاقبة مهلة عامين ليصبحوا بعدها متفقين في الرأي مع كنيسة البلاد، وألزم المسلمين باعتناق المسيحية في خلال ثلاث سنين، وأذاع الملك مرسومًا بعد ذلك بأيام قليلة أوضح فيه أن مهلة ثلاث السنوات التي منحها للمسلمين ليست بذات أهمية؛ ولم يقتصر على إلزامهم ببناء كنائس مسيحية في مناطقهم كلما احتاج المسيحيون إليها، وكذلك دفع العشور للقساوسة الذين في مقاطعاتهم فحسب؛ بل إنه أنذر الموظفين المسلمين بأن يختاروا خلال ثلاثة شهور بين قبول التعميد واعتناق المسيحية أو التخلي عن وظائفهم.
ويقول (مساجأ) أحد الكتاب أن الملك (يوحنا) أرغم سنة 1880م ما يقرب من خمسين ألف من المسلمين على التعميد، ناهيك عمن قتلهم وأبادهم.
عهد منليك (1865-1913م) :
تميّز حكم منليك بخواص ثلاث بالغة الأهمية وهي: