1.كانت المصيبة عظيمة ، والرزية فادحة ، بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأصيب الصحابة الذين تعلقت قلوبهم به محبة ، وارتبطت حياتهم به قدوة بخطب جلل طاشت منه العقول ، وانخلعت القلوب ، واضطربت النفوس ، حتى أنكر الأشداء من أمثال عمر بن الخطاب موته عليه الصلاة والسلام ، ثم جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه أقرب المقربين ، وأحب الأحباء ، رفيق الغار والهجرة ، وسابق الإيمان والصحبة ، فكانت المصيبة عليه أعظم لكنها لم تنل حظها الوافر من قوة إيمانه ورباطة جأشه ، وفي ذلك الظرف العصيب ، والحيرة تشغل العقول ، والحزن يعتصر القلوب ، قام أبو بكر في جرأة نادرة وصاح بالناس: (( من كان يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ) )، ثم تلا قوله تعالى: ]إنك ميت وإنهم ميتون [ وقوله جل وعلا ] وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين[ ، (( فثاب الناس إلى رشدهم ، وعلموا حقيقة أمرهم ) )البداية والنهاية (5/241) .
2.جاء أشراف بني أمية عمر بن عبد العزيز بعد أن تولى الخلافة رجاء أن ينالوا منه الحظوة ، ويحصلوا على الولايات والأعطيات فقال: أتحبون أن أولي كل رجل منكم جندًا من هذه الأجناد ، فقال له رجل منهم: لم تعرض علينا ما لا تفعله ؟ قال: ترون بساطي هذا ؟ إني لأعلم أنه يصير إلى بلى ، وأني أكره أن تدنسوه علي بأرجلكم فكيف أوليكم ديني ؟ وأوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم تحكمون فيهم ؟ هيهات هيهات ، فقالوا: لم ؟ أما لنا قرابة ؟ أما لنا حق ؟ قال: ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء ، إلا رجل حبسته عني طول الشقة ( نزهة الفضلاء(1/477-478) .
3.الإمام عبد العزيز بن يحي الكتاني المكي الذي عايش فتنة خلق القرآن وسمع بانتشارها ورواجها في بغداد فعز عليه ذلك فقدم على بغداد فهاله أنَّ ما رأى من أثر هذه البدعة أعظم مما سمع ، فجعل يفكر في عمل يعلن من خلاله عن الحق الذي خفت صوته ، وخاف الناس من إظهار اعتناقه ، قال: فأجمعت رأيي على إظهار نفسي وإشهار قولي ومذهبي على رؤوس الأشهاد والقول بمخالفة أهل الكفر والضلال والرد عليهم ، وذكر كفرهم وضلالتهم ، وأن يكون ذلك في المسجد الجامع في يوم الجمعة لأني رأيت - إن فعلت ذلك - أنهم لا يعجلون عليَّ بقتل ولا عقوبة بعد إشهار نفسي والنداء بالمخالفة على رؤوس الخلائق إلا بعد مناظرتي وسماع قولي ، وهذا هو مطلبي .
وصلى يوم الجمعة في الصف الأول أمام المنبر فلما سلم الإمام ، نهض قائمًا على رجليه ليراه الناس ويسمعوا كلامه ، ونادى بأعلى صوته مخاطبًا ابنه الذي اتفق معه أن يقف أمامه بين الصفوف ، فقال: يا بني ما تقول في القرآن ؟ قال: كلام الله منزل غير مخلوق ، فلما سمع الناس ذلك ولو هاربين ومن المسجد خارجين خوفًا وجبنًا ، ولم يلبث أعوان السلطان أن أمسكوا به ، ولما مَثَل بين يدي كبير من كبرائهم فعنفه فسأله عن سبب صنيعه وجهره بقوله مع علمه بمخالفته لأمير المؤمنين قال: ما أردت إلا الوصول إلى أمير المؤمنين والمناظرة بين يديه ، وتم له ما أراد فناظر بشرًا المريسي بين يدي المأمون وعلاه بالحجة ( مختصر من الدلائل النورانية(110-117) وهو عن الحيدة (3-14) ، فسر المسلمون بذلك وجعل الناس يجيئونه أفواجًا يهنئنونه ويسألونه عن المناظرة .
4.قام مصطفى كمال أتاتورك بأعظم جريمة ضد العالم الإسلامي عندما أصدر في 15 فبراير عام 1924م ثلاثة قرارات هي:
1.إلغاء الخلافة .
2.إلغاء وزارة الأوقاف والأمور الشرعية .
3.توحيد التعليم .
وقرر في الواقع العملي المنهج العلماني في فصل الدين عن الدولة ،ونادى بأن تركيا جزء من العالم الغربي ،ومضى يغير كل شيء له صلة بالإسلام في تركيا ،حتى أصدر في عام 1925م قانون الملابس الذي ينص على إبدال القبعة بالطربوش ،ويقرر عقوبة على من يلبس الطربوش الذي كان اللبس الشائع بين المسلمين ويلزم بلبس القبعة تأسيًا بالغربيين وتشبهًا بهم ،وتعظيمًا لهم .
وهنا برزت نماذج عديدة من جرأة العلماء العاملين والدعاة المصلحين ومن بينهم الشيخ عاطف أفندي الإسكيليبي الذي تصدى لهذه الهجمة التغريبية ،حتى ذكر في بعض كتبه (( أن بيعة المسلمين للخليفة أمر واجب وهو ثابت بالعقل والشرع ) )ثم دلل على ذلك وقرر أن (( وجب تعيين الخليفة أمر ثابت بإجماع الأمة بطريق الأدلة الشرعية ) )، ثم كتب رسالة عن المرأة المسلمة وحجابها بعنوان (( التستر الشرعي ) )وذلك في مواجهة التهتك العلماني الغربي ، ثم ألف رسالته الشهيرة (( تقليد الفرنجة والقبعة ) )نعى فيها على المقلدين للغرب تقليدًا أعمى ، والمتشبهين بالكفار وحكمهم وذكر القبعة مثالًا على ذلك وكان لهذه المواقف والرسائل أثرها الكبير في نفوس المسلمين ومواقفهم وصداها الواسع في منتدياتهم ومجالسهم ، مما حدا بأتاتورك وزمرته أن يقبضوا على شيخ عاطف ، وقدم بعد ذلك للمحكمة بخصوص رسالة القبعة في 26/يناير/1926م ، وصدر بحقه حكم الإعدام ونفذ فيه رحمة الله وتقبله في الشهداء (العثمانيون في الحضارة والتاريخ(ص:221-236) .
وهكذا فنحن نرى لمواقف الجرأة أثرًا عظيمًا في المجتمعات وخاصة في الأزمات ، والملمات وما لم يكن الداعية هو المتقدم الباذل فمن يكون ؟ .
كلا ليس لها إلا أنت أيها الداعية ، فما أجدى أن يكون الداعية (( صلب العود ، عظيم المراس ، لا يميل مع كل ريح ، ولا يضعف أو يلين أمام أي قوة ، ولا ينحني مع أي خلة ، ولا يندهش أمام أي مفاجأة ، أو يحزن عند أي مصيبة لتوجهه إلى الله بكليته ، واعتماده عليه في كل نائبة ، واحتباسه العوض منه عن كل شيء ،فحبيبه الأوحد هو الله ، وهو ذخيرته وملجؤه وهو هدفه وغايته ، وبذلك تكون شجاعته كاملة ، وبطولته خالدة ، وأخلاقه فاضلة ، وصبره معينًا لا ينفذ ) )العثمانيون في الحضارة والتاريخ (ص:221-236) .
المبحث الثالث: الاستغناء والعطاء:
شعار عظيم رفعه على طريق الدعوة الرسل والأنبياء عندما تكرر في خطابهم لأقوامهم ] وما أسألكم عليه من أجرٍ إن أجري إلا على رب العالمين [ الشعراء [109] ، والرجل المؤمن في سورة يس عندما دعا قومه لاتباع المرسلين علل لهم ذلك بقوله ]اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون [ يس [21] ، والدعاة سائرون على منهج الأنبياء فلا ينتظرون من أحد عطاء ، ولا يرقبون من إنسان مكرمة ، وأنى يكون ذلك ؟ وكيف يفكرون في مثل هذا الأجر الدنيء والعرض الزائل ؟ كلا إنهم لا تنشغل عقولهم بمثل هذا التفكير لأنها مشغولة بالرجاء في قوله تعالى ]ولأجرة الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون [ يوسف [57] ، ولا تتعلق قلوبهم بشيء من حطام الدنيا وعطايا الناس لأنها متعلقة بقوله تعالى ]ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون [ النحل [41] إنهم يرغبون في نوع آخر من الأجر غير ممنون ولا مقطوع ]إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون [ الانشقاق [25] ،]وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ [ هود [108] .