وفي تاريخ الإسلام الذي يعرض الآن ويقدم لأبنائنا زيف كثير لأنه يحاول أن يعلي شيئًا كثيرًا من الروايات الباطلة في سبيل إثارة جو من الخصومة والخلاف بين الفرق المختلفة أو الأحزاب والدول، وذلك مما فرضه الاستعمار والاستشراق حتى يحتقر المسلمون تاريخهم وتضعف مكانته في نفوسهم.
وكذلك فإن هناك ازورارًا كبيرًا عن المواقف الحاسمة والبطولات الضخمة، وذلك حتى لا ينبهر المسلمون بعظمة أجدادهم، ولا يعرفون حقيقة الدور الذي قاموا به في بناء الحضارة.
وكذلك فإن هناك ازورارًا كبيرًا عن المواقف الحاسمة الاجتماعي آثارًا في التاريخ ولكن ليس لأحدهما أن يفترض أنه وحده العامل المؤثر؛ وإنما هي في مجموعها عوامل ذات أثر بدرجات متفاوتة، وهناك عامل آخر له أهميته ولا ينفصل أبدًا في دراسة تاريخ الإسلام هو عامل العقيدة والوحي والنبوة، وإرادة الله العليا التي تتحرك من داخلها إرادة الإنسان والتي تفرض وجودها على حركة الكون كله.
وبعد فإننا نتطلع إلى إعادة كتابة تاريخ الإسلام بحرص كبير ونأمل من الغيورين أن يكونوا عونًا لأمتهم لتخرج من دائرة سيطرة الاستشراق والتغريب والغزو الثقافي.
إن المحاولة التي جرت منذ وقت بعيد في سبيل تفسير الإسلام (حركته ودعوته) تفسيرًا ماديًا صرفًا لا ريب تعجز أشد العجز عن أن تقول الكلمة الفاصلة؛ لأنها تعجز عن أن تستوفي الأبعاد المختلفة، والجوانب المتعددة، حين تضع بينها وبين الحقيقة حجابًا، هذه الحقيقة الممثلة في العوامل النفسية والمعنوية والروحية والفكرية وهي عوامل أشد أثرًا وأبعد عمقًا وأكثر أهمية من الجانب المادي الواحد الذي هو أحد جوانب التفسير لا محالة ولكنه ليس واحدها وليس أكبر أهمية.
إن التفسير المادي أو الاقتصادي للتاريخ الإسلامي إنما يحاول أن يواجه البحر بإناء من ماء، أو الجنة الفيحاء بفسيلة من حطب.
لقد حاولت كتابات كثيرة في السنوات الأخيرة أن تتمثل الإسلام وكأنه ثورة الفقراء ضد الأغنياء فحسب، والحق أن الإسلام ليس ثورة موقوتة ولكنه حركة شاملة من حيث الزمن ومن حيث المضامين لتغير أشياء كثيرة: تغيير المجتمع وتغيير النفس وتغيير الأخلاق وتغيير الاقتصاد.
ومن هنا فإن الإسلام ليس هو التفسير الاقتصادي وليس محمد صلى الله عليه وسلم هو المصلح الاجتماعي أو رسول الحرية، وليس يكفي حين يذكر أن تورد شطر الآية الكريمة (قل إنما أنا بشر) فهذا تزييف؛ فإن الآية تقول (قل إنما أنا بشر يُوحَى إليّ أنَّما إلهكم إلهٌ واحِد) .
لقد جاءت كتابات التفسير الاقتصادي ثم المادة متباينة حذرة في (على هامش السيرة وفي الفتنة الكبرى) ثم اتسعت بعد ذلك في (محمد رسول الحرية) ، ونمت شبهاتها حتى لقد حرص الكثيرون على أن يربطوا بين هذه الآثار على ما بينها من فروق في الزمن واختلاف في المصادر والموارد، في إدعاء كاذب بأن مثل هذه الكتابات قد حاولت أن تعتمد على الوقائع لا على الخوارق، وقد ظن أصحابها أن المعجزات يمكن أن تسلك فيما يوصف في الغرب بأنه أساطير، ولا ريب أن لرسول الله معجزات غير القرآن، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يجد الطريق سهلًا إلى رسالته ولم يجد العرب مستعدين للنهضة فنهض بهم -كما يردد البعض- ومن هنا فإنه في نظرهم لم يكن في حاجة إلى معجزات أو خوارق.
ولا ريب أن هذا الادعاء باطل وأن وقائع حياة رسول الله بعد بعثته إلى هجرته خلال ثلاثة عشر عامًا تكشف في وضوح مدى المعاناة والظلم والاضطهاد في عشرات الصور والمواقف، مِما يدهش معه أي باحث كيف واجهت قريشًا والعرب دعوة التوحيد وقاومتها.
ومن هنا نعجب من قول أحدهم حين قال:"ومحمد بهذا ليس في حاجة إلى خارقة تعينه على إقناع الناس بما يقول؛ لأنه بما يقول إنما يستجيب لآمال الناس وأحلامهم".
ولقد تردد هذا القول قديمًا في (النثر الفني) وفي بعض كتابات (الشعر الجاهلي) وغيره، وهو من زيف المستشرقين الذين يهدفون به إلى التقليل من عظمة الرسالة الإسلامية.
ولقد واجه العلامة فريد وجدي مثل هذه الشبهة حين قال:"إن قريشًا وهي أرقى القبائل لغة وفهمًا ومكانة لم تقبل دعوة النبي إلا رجالًا ونساءً لا يزيد عددهم على بضع عشرات. ولو كانت قريش أقرب العرب إلى الحضارة لقبلت دعوة محمد بصدر رحب وأحلتها المكان اللائق بها ونهضت تحت قيادته لجمع كلمة القبائل وإبطال دينهم."
"إن اتباع النبي الأولين اضطهدوا اضطهادًا شديدًا حتى هاجروا إلى بلاد الحبشة، وأن الجاهلين كانوا يهزءون بالدعوة للدين وبالداعي إليه، وأن النبي لبث على هذا الحال من الاضطهاد ثلاث عشرة سنة، ولما أنست قريش من النبي الهجرة قررت قتله وأرصدت له، ولما علم أهل مكة بأفلاته اقتفوا أثره، كل هذا ينطق بلسان فصيح أن قريشًا وهي مظنة النجابة والفهم من العرب في ذلك العهد لم تكن (وقد استعدت للملك بعد تطورات عديدة) فإن المجتمع الذي يقاتل الداعي للتجديد والنهوض بهذا النفور ويصبر عليه ثلاثة وعشرين سنة لا يزداد بعدها إلا عنادًا وتشددًا لا يمكن أن يوصف بأنه مجتمع كان مستعدًا للنهوض وأنه سرعان ما نهض مع النبي صلى الله عليه وسلم .."
كذلك فإن قريشًا لم ترفض الإسلام لأنه يقضي على نفوذها الاقتصادي وحده، ولكنها كانت تعلم أنه قضاء على كيانها الفكري والاجتماعي والديني جميعًا.
ومن هناك كان خطأ القائلين بالتفسير الاقتصادي، ذلك أن الأديان السماوية إنما تغير المجتمع كلية ومن الأساس، وهي حين تقصد أول ما تقصد فإنما تبني النفس الإنسانية وتشكلها تشكيلًا جديدًا فيه صمود وصبر وقدرة على مواجهة الاضطهاد واحتمال البلاء وتهيئها لعمل كبير توهب فيه الأرواح والنفوس ويجل عن المعاني المادية.
ومن هناك كانت دهشة المستشرقين وغيرهم لعظمة الفتح الإسلامي الذي صنعه هؤلاء الذين بناهم محمد في خلال ثلاثة عشر عامًا في مكة وغير بهم الدنيا كلها وليس جزيرة العرب وحدها، لقد نظروا إلى هذا الفتح الذي تم في خلال بضع وسبعين سنة على أنه معجزة لم تفسر: نعم كانت تعرف قريشًا أن معارضة محمد لهم لن تفقدهم نفوذهم الاقتصادي ولكنها ستلغي كيانهم إلغاءً كاملًا بكل فكره وماضيه ومواقفه الاجتماعية والأدبية.
إنه تغيير جذري ليس الاقتصاد إلا جانب منه، تغيير في نظام الموءودة وزواج الأخت في العلاقة بين الأهل وفي القضاء (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا: اعدلوا هو أقرب للتقوى) ، كان القوي إذا أذنب تركوه وإذا أذنب الضعيف أقاموا عليه الحد، الله تبارك وتعالى هو المشرع، تجريد الفرد من سلطانه ومن الخضوع لمقاييس الهوى، مقاييس جديدة ربانية لكل الأمور.
موقف جديد بالنسبة للقيم الكبرى: الحرب والعلم والكرم، فهي ليست موجهة للظهور أو الاستعلاء أو الجاه؛ ولكنها موجهة لله وحده، شعار لا إله إلا الله يغير المجتمع كله ويغير النفس الإنسانية على مختلف المستويات الدينية والاجتماعية والفكرية والنفسية والأخلاقية، ليست حركة طبقة ضد طبقة، ولا ثورة الفقراء على الأغنياء؛ فقد اشتركت فيها الطبقات واشترك فيها الأغنياء والفقراء، وخرج الأغنياء عن مالهم، وخرج الأبناء عن آباءهم وأنكروا ترفهم وفجورهم.
ويبدو ذلك واضحًا في لقاء المشركين للنبي:
إن كنتَ تريد ملكًا ملكناك علينا. وإن كنتَ تريد مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا. وتكون إجابة الرسول هي منطلق تفسير الإسلام: (والله يا عم: لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه: ما تركته) .