فهرس الكتاب

الصفحة 1444 من 3028

ومن ذلك أيضًا أنهم آثروا الآخرة الرفيعة على هذه الدار الدنيا الوضيعة، فكانوا رضي الله تعالى عنهم في الآخرة راغبين، وفي الدنيا زاهدين، وأضف إلى هذا إيثارهم لبذل النفس لإعلاء كلمة التوحيد، ونشر هذا الدين الحميد، فكانوا رضي الله تعالى عنهم مؤثرين للجهاد، ونصبه على الراحة والدعة في حياتهم، ومؤثرين أنفسهم بشهادة الله عز وجل على الموت على فرشهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

وقد امتدح الله تعالى أمة الصحابة قبل أن يخلقوا، وقبل أن يوجدوا في الكتب السابقة، وعلى ألسنة الأنبياء السابقين، فقال سبحانه وتعالى: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ) ) [الفتح:29] فمدح ظاهرهم بقوله: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) وامتدح وزكى باطنهم بأنهم يعبدون الله مخلصين لوجه الله لا رياء الناس: (( يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ ) ) [الفتح:29] ، فهذه الآية وكذلك قوله تعالى: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) ) [آل عمران:110] فهي بعمومها تشمل أمة المسلمين وأمة الإسلام كلهم، لكن الصحابة رضي الله تعالى عنهم يدخلون فيها دخولًا أوليًا؛ لأنهم هم المخاطبون أصالة بهذه الآيات الكريمات.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي الناس خير؟ فقال عليه الصلاة والسلام: قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ...) إلخ الحديث، وهو حديث متفق عليه، وهو بلا شك نص في تفضيل الصحابة رضي الله عنهم على من جاء بعدهم، وكذا من سبقهم من غير الأنبياء والمرسلين عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.

وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يأتي زمان يغزوا فئام من الناس فيقال: فيكم من صحب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم، فيفتح عليه، ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم، فيفتح، ثم يأتي زمان فيقال: فيكم من صحب من صحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: نعم، فيفتح) ، فهذا أيضًا مما يدل على فضيلة الصحابة رضي الله عنهم.

**من أصول أهل السنة تجاه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين**

ومن ثم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم.

وهذا هو محور كلامنا، أن هذا من أصول العقيدة، يعني: ضمن موقف أهل السنة من الصحابة رضي الله عنهم ذكر في جميع المتون أو المصنفات التي صنفت في العقيدة فهي تتناول أمهات مسائل الإيمان، فعقدوا في كل مؤلفات العقيدة فصولًا أو فصلًا حول مكانة الصحابة رضي الله عنهم، ومعلوم أن أصول أهل السنة والجماعة تعني أنه لا يخالفهم فيها إلا من كان من الفرق الضالة، من الفرق النارية، أما الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وأهل الحق فإنهم لا يحيدون عن هذا الأصل أبدًا.

فمن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم رضي الله تعالى عنهم، كذلك يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: اتفق أهل السنة على أن الجميع -يعني: على أن جميع الصحابة- عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة. هذا مع إيماننا بأنهم ليسوا بمعصومين في الجملة من الذنوب والسيئات، وإنما الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم كلهم عدول كما هو معلوم من أصول أهل السنة والجماعة.

وقد أشرنا مرارًا من قبل أن كتب العقيدة إنما تتناول المسائل التي حصل فيها تفرق في الجانبين عن الوسط الذي هو أهل السنة والجماعة، فمن انحرف عن السلف في أي قضية من القضايا التي تضمنتها كتب العقيدة أو متون العقيدة فيكون هو الخارج عن المنهج السوي والمعتدل والوسط وهو منهج أهل السنة والجماعة.

** موقف الرافضة من الصحابة والمسلمين **

ففي شأن الصحابة أيضًا هناك طرفان ووسط، فالوسط هو ما أسلفنا من مقام الصحابة وتعظيمهم، وإمساك الألسنة عن الخوض فيما شجر بينهم، وكذلك الاعتراف بفضلهم ومكانتهم، فإذا اتجهنا إلى أحد الطرفين نجد فرقة من الفرق الضالة هلكت في الصحابة، وهي فرقة الروافض وغلاة الشيعة قبحهم الله، يقول فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الرافضة أمة ليس لها عقل صريح ولا نقل صحيح -الرافضة هم الشيعة الهالكة- ولا دين مقبول، ولا دنيا منصورة، بل هم من أعظم الطوائف كذبًا وجهلًا، ودينهم يدخل على المسلمين كل زنديق ومرتد، كما دخل فيهم النصيرية والإسماعيلية وغيرهم، فإنهم يعمدون إلى خيار الأمة فيعادونهم، وإلى أعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين فيوالونهم. وإذا استقرأنا التاريخ فسنأتي بشواهد كثيرة جدًا من ذلك، ولذا كان الرافضة -قبحهم الله وخذلهم، ونكس راياتهم دائمًا- في كل عداوة للمسلمين وأهل السنة كانوا ينضمون إلى أعدائهم من اليهود أو النصارى أو المشركين، والحديث يطول في ذلك، وله مقام آخذ، ولكن يكفي أن نعرف تآمرهم مع التتار من أ جل قتل الخليفة العباسي، وعلماء من علماء المسلمين وخيارهم، وتدمير الخلافة العباسية في بغداد وغير ذلك من جرائمهم، يكفي أن نشير إشارة عابرة إلى دور الحروب الصليبية، وتحالفهم مع الصليبيين ضد أهل السنة في الدولة الفاطمية هنا في مصر.

كذلك يكفي أن نراجع تاريخ الشيعة وتسببهم في منع انتشار الإسلام في أوروبا، فقد أوشك العثمانيون مرات ومرات على أن يفتحوا كل أوروبا، وعلى الأقل شرق أوروبا التي كانت تابعة لإمبراطورية النمسا، وكانوا قد تغلغلوا داخل قلب أوروبا حتى وصلوا النهر الذي هناك، وحصلت مقتلة عظيمة كاد المسلمون أن يغزوا عاصمة هذه الإمبراطورية، وفتحها كان سيكون تقريبًا سببًا في دخول معظم أوروبا في الإسلام، فهم الذين تسببوا في تقهقر الخلافة وتراجعها فكانوا كلما وصل الخليفة العثماني بجيش إلى هذا الموقع الحساس يطعنونه في ظهره، ويهددون الاستانة مقر الخلافة، فيضطر إلى أن يقطع الجهاد للعودة إليهم ليطاردهم، فكانوا مستديمة دائمًا في قلب أهل الحق، وفي قلب الإسلام.

والتاريخ يعيد نفسه، وشواهدهم ناطقة بذلك وصارخة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت