وهناك أصناف من المدعوين يحتاج الداعية معهم إلى إقامة الحجة العقلية لإثبات القضية ولعدم اكتفائهم بالأدلة الشرعية من هؤلاء:
1.الكافرون الذين لا يؤمنون بالكتاب والسنة .
2.المعتدُّون بعقولهم المقدمين لها على النص النقلي .
3.المخدوعون بالشبهات .
4.المعاندون الذين يتّبعون الباطل تبعًا لمصالحهم ويسعون إلى إضلال غيرهم .
5.الواقعون تحت تأثير الأوضاع والأعراف الخاطئة حتى ألفوها ورأوها صوابًا .
وهناك أساليب كثيرة مستنبطة من الكتاب والسنة في إقامة الحجة العقلية واستخدام الأقيسة المنطقية واستحضار التفكر والتأمل .
وهذه جوانب من هذه الأساليب مع بعض الأمثلة عليها:-
(أ) أسلوب المقارنة:-
وذلك بعرض أمرين أحدهما هو الخير المطلوب الترغيب فيه ، والآخر هو الشر المطلوب الترهيب منه ، وذلك باستشارة العقل للتفكر في كلا الأمرين وعاقبتهما للوصول - بعد المقارنة - إلى تفضيل الخير واتباعه ومن أمثلة ذلك:-
قال تعالى: ]أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون [ الأنعام [122] .
قال ابن كثير في تفسيره: (( هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتًا أي في الضلالة هالكًا حائرًا ، فأحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه له ووفقه لاتباع رسله ) )تفسير ابن كثير (2/172) .
وقال تعالى:]أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين [ التوبة [109] .
وقال القرطبي: (( وهذه الآية ضرب مثل لهم ، أي من أسس بنيانه على الإسلام خير أم أسس بنيانه على الشرك والنفاق ، وبين أن بناء الكافر كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها ، وفي هذه الآية دليل على أن كل شيء ابتدئ بنية تقوى الله تعالى والقصد لوجهه الكريم فهو الذي يبقي ويسعد به صاحبه ويصعد إلى الله ويرفع إليه ) )تفسير القرطبي (8/265) .
ومن الأمثلة النبوية التي تبين خيرات الصلاح والصالحين مع مقارنتها بويلات المعصية والعاصين ما يأتي:-
1.عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك إما أن يُحذيك وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة ) )أخرجه مسلم ، في كتاب البر والصلة ، باب: استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السوء (النووي) (6/ 178) .
قال النووي: (( وفيه فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والعلم والأدب والنهي عن مجالسة أهل الشر والبدع ومن يغتاب الناس ويكثر فجره وبطالته ونحو ذلك من الأنواع المذمومة ) ).
2.عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت ) )أخرجه مسلم ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ،باب:استحباب صلاة النافلة في بيته (النووي) (6/68) .
ولا يخفى ما في المقارنة بين الحي والميت من إقرار العقل وترجيحه ورغبته لما فيه الحياة ، وهو الذكر الذي به الحياة القلب .
(ب) أسلوب التقرير:-
وهو أسلوب يؤول بالمرء بعد المحاكمة العقلية إلى الإقرار بالمطلوب الذي هو مضمون الدعوة:-
من الأمثلة القرآنية على ذلك:-
1.قال تعالى ]أم خلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون ، أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ، أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون ، أم لهم سلَّم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين ، أم له البنات ولكم البنون ، أم تسألهم أجرًا فهم من مغرم مثقلون ، أم عندهم الغيب فهم يكتبون ، أم يريدون كيدًا فالذين كفروا هم المكيدون ، أم لهم إله غير الله سبحان الله وتعالى عما يشركون [ الطور[35-43] . قال ابن كثير في تفسيره: (( هذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية ، فقال تعالى ]أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون[ أي أوجدوا من غير موجد ؟ أم هم أوجدوا أنفسهم ؟ أي لا هذا ولا هذا بل الله هو الذي خلقهم ، وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا ) )تفسير ابن كثير (4/244) .
وهذه الآية في غاية القوة من حيث الحجة العقلية لأن (( وجودهم هكذا من غير شيء أمر ينكره منطلق الفطرة ابتداءً ولا يحتاج إلى جدل كثير أو قليل ، أمّا أن يكونوا هم الخالقين لأنفسهم فأمر لم يدَّعوه ، ولا يدَّعيه مخلوق ، وإذا كان هذان الفرضان لا يقومان بحكم منطق الفطرة فإنه لا يبقى سوى الحقيقة التي يقولها القرآن وهي أنهم من خلق الله جميعًا ) )في ظلال القرآن (6/3399) ، والتعبير بالفطرة مقصوده الأمر المقرر بداهة في العقل .
وتأمل هذا الإلزام بالإقرار بربوبية الله وألوهيته فيما ذكره السعدي في تفسيره حيث قال: (( وهذا استدلال عليهم بأمر لا يمكنهم فيه إلا التسليم للحق أو الخروج عن موجب العقل والدين ، وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله مكذبون لرسوله ذلك مُستَلزم لإنكارهم أن الله خلقهم وقد تقرر في العقل مع الشرع أنّ ذلك لا يخلو من ثلاثة أمور:- إما أنهم خُلقوا من غير شيء أي لا خالق خَلَقَهم ، بل وجدوا من غير إيجاد ولا موجد وهذا عين المحال ، أم هم الخالقون لأنفسهم هذا أيضًا محال ، فإنه لا يتصور أن يوجد أحد نفسه ، فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتهما تعين القسم الثالث ، وهو أن الله هو الذي خلقهم ، وإذا تعين ذلك ، عُلمَ أن الله هو المعبود وحده الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له تعالى ) )تفسير السعدي (7/195-196) .
2.قال تعالى ] واتل عليهم نبأ إبراهيم ، إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ، قالوا نعبد أصنامًا فنظل لها عاكفين ، قال هل يسمعونكم إذ تدعون ، أو ينفعونكم أو يضرون ، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ، قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون ، أنتم وآباؤكم الأقدمون ، فإنهم عدولي إلا رب العالمين ، الذي خلقني فهو يهدين ، والذي هو يطعمني ويسقين ، وإذا مرضت فهو يشفين ، والذي يميتني ثم يحيين [ الشعراء [69-81 ] .
وهنا ستكون الإجابات بالنفي فعقولهم تمنعهم أن يقولوا إنّ أصنامهم تسمع دعاءهم أو تجيب رجاءهم ، وهذا يؤدي إلى عدم جدوى هذه الأصنام وبالتالي الاستسلام العقلي بوجود وألوهية الخالق الذي جاء في هذه الآيات وصف أفعاله سبحانه وتعالى .
ومن الأمثلة الحديثية:-
1.عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلًا أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال مستنكرًا ومسترشدًا: يا رسول الله ولد غلامٌ أسود ، فقال: هل لك من إبل ؟ قال: نعم ، قال ما ألوانها ؟ قال: حُمر ، قال: هل فيها من أورق ؟ أورق:أي: أسمر- النهاية في غريب الحديث (5/175) قال: نعم ، قال:فأنى ذلك ؟ قال: لعله نزعه عرق ، قال: فلعل ابنك هذا نزعة عرق .أخرجه البخاري ، كتاب الطلاق ، باب إذا عرّض بنفي الولد (الفتح9/442) .
فهذا الرجل جاء سائلًا مستفتيًا عما وقع له من الريبة ، فلما ضرب له المثل أذعن ، وقال ابن العربي: (( فيه دليل على صحة القياس والاعتبار بالنظر ) )فتح الباري (9/444) .