فهرس الكتاب

الصفحة 1293 من 3028

ولم تكن حملات التغريب على القيم والمقومات والتاريخ واللغة والدين في الشرق قائمة على أساس علمي على نحو ما يذهب إليه أسلوب البحث العلمي، وإنما كانت حملات يغلب عليها الهوى والتعصب وتسيطر عليها ريح الحقد والاستعلاء وخلق الفوارق البعيدة بين الجنس الأبيض وغيره من الأجناس مع سيطرة فكرة التفرقة بين أصحاب الحضارة وبين الشعوب التي كان لها دور من قبل في رحمل الحضارة، حين كانت أوربا تعيش في الوحل والظلام، فإذا أضيف إلى هذا ذلك الإصرار العجيب على إنكار فضل العرب والمسلمين على الحضارة على نحو فيه مغالطة وإنكار لوقائع التاريخ نفسه تبين إلى أي مدى يذهب دعاة التغريب، فآسيا هي المتبربرة، وأوربا هي المتحضرة وليس أكذب ولا أبعد عن الحقيقة ما يحاول الغربيون أن يقولوه في هذا المجال من أن التاريخ والحضارة قد بدأت من أثينا ومرت على روما.. ثم اختفت ألف سنة لتظهر من جديد في حركة النهضة، أما ما قبل النهضة فلا شيء، وفي هذا الرأي ما فيه من الخطأ ومجافاة الحقيقة والواقع.

فإن قبل أثينا كانت حضارات النيل والفرات، وقبل النهضة كان المسلمون والعرب في دورهم الضخم البعيد المدى حين حملوا لواء الحضارة والفكر، وترجموا آثار اليونان وزادوا فيها وأضافوا إليها وحققوا الأسس الكبرى التي قامت عليها الحضارة فيما بعد.

والحق أن حركة تغريب الشرق قامت على المغالطة والتضليل، ومحاولة مسخ القيم والقوميات العربية والإسلامية وإدخال قيم ومقومات جديدة تهدم شخصيتنا وتصيرنا مسخًا لا هو من الشرق ولا هو من الغرب ثم هي بعد ذلك تنكر دورنا وتحاول أن تغض من شأن لغتنا وتاريخنا وتراثنا على نحو لا يصمد أمام البحث العلمي الصحيح، وهو ما تكشف بتوسع في مختلف مجالاته وجوانبه.

استهدف التغريب والغزو الثقافي للإسلام والعالم الإسلامي والأمة العربية هدفًا واضحًا مقصودًا لذاته هو الاستسلام للسيطرة الاستعمارية عن طريق تحلل القيم وتحرريف المفاهيم وإفساد الجذور والأسس التي تقوم عليها الذاتية العربية الإسلامية. وبذلك ينصهر المسلمون والعرب في الغرب وحضارته وثقافته انصهار الذليل التابع، الذي يعجب بها ويوليها وتابعها ويتطلع إلى مصادقتها والتبعية لها تبعية كاملة.

ولاشك أن تحقيق هذا الهدف هو أمر بعيد المنال، بالنسبة لأصالة الإسلام وفكره ومقوماته وجذوره العميقة الضاربة في التربة العربية الإسلامية خلال خمسة عشر قرنًا كاملة ومع ذلك فقد عمد الاستعمار إلى تنفيذ مخطط ضخم في سبيل التغريب والغزو الثقافي، قام أساسًا على موسيات ضخمة تحمل لواء العمل في مجال التبشير والتعليم والصحافة والاستشراق وكلها تناسق بين خططها وأهدافها لتحقيق غاية واحدة، هذه الغاية هي السيطرة الكاملة على العالم الإسلامي التي عجزت عنها الحروب الصليبية والحيلولة بين الإسلام وأهله وبين القوة والسيطرة والقدرة على الحياة والحركة تخوفًا من خطر مفزع متوهم يتمثل في انقضاض الإسلام على الحضارة الغربية وإسقاطها.

وقد سار الغزو الثقافي متقدمًا حملة الغزو العسكري والسياسي ومرافقًا لحملات الغزو التجاري والاقتصادي، عامدًا إلى مهاجمة الإسلام واللغة العربية والقرآن والرسول والتاريخ الإسلامي والقيم الأساسية في مجال السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية.

كما حرص الاتعمار من ناحية أخرى أن ينقل إلى العالم الإسلامي والأمة العربية الجوانب المضطربة من حضارته وفكره، وأغرق الفكر العربي الإسلامي بعشرات مكن حضارته وفكره، وأغرق الفكر العربي الإسلامي بعشرات من التحديات من خلال الفلسفات المتضاربة الإلحادية والإباحية وإذاعتها.

واتصل ذلك بالنظريات ذات المظهر العلمي البراق التي أوجدها الاستعمار ليحاول إقناع الشعوب الملونة بأنهم أقل من الشعوب البيضاء قدرة عقلية، وإن الرجل الأبيض هو الإنسان الذي خصته العناية الإلهية بتحضير الشعوب المتخلفة، وهي نظريات تبين من بعد أنها قد سقطت في بلادها، ولم تجد من يقبلها أو يعتنقها ولكنها نقلت إلى بلادنا لإثارة البلبة والاضطراب ضمن مخطط التغريب المتعدد الأضلاع.

والواقع أن هذه الفلسفات والمذاهب الغربية التي قذف بها الفكر الإسلامي لم تكن قائمة في الغرب على هذا النحو من التعدد في وقت واحد، وإنما جرت خلال فترة طويلة تمتد إلى أكثر من أربعمائة عام منذ عصر النهضة إلى اليوم ولكن التغريب أراد أن يدفع بها مرة واحدة إلى الشرق رغبة في إثارة الاضطرابات والشكوك وزلزلة العقائد ومع ذلك فقد استطاع الفكر الإسلامي وهو في مطالع اليقظة أن يواجه هذا الإعصار في قوة وأن يدحضه ويرده وكاد أن يقضي عليه لولا بقاء النفوذ الأجنبي المؤيد لحركة التغريب المسيطر عن طريق أعوانه وقد تمثلت هذه الحملات في تيارات متعددة أهمها:

إشاعة قضية الأجناس السامية والآرية التي تستهدف الانتقاص من شأن العرب.

مهاجمة لالدين بعامة والإسلام بخاصة واتهامه بأنه سبب التخلف.

انتقاد العرب والمصريين واتهامهم بأنهم ظلوا مستبعدين لليونان والرومان.

إنكار فضل العرب على الحضارة الحديثة.

الحملة على العقائد والقيم.

الدعوة إلى التجزئة والإقليمية وإحياء الدعوات القديمة الفينيقية الفرعونية.

الدعوة إلى ما يسمى ثقافة البحر الأبيض.

إذاعة الفرقة والخصومة بين الأديان والأجناس: البربر والعرب، الدروز والموارنة، المسلمون والمسيحيون، السنة والشيعية.

وقد اصطنع التغريب في سبيل تحقيق أهدافه مؤسسات عدة أهمها"التبشير"وهي مؤسسة ضخمة عمل بها عدد كبير من المسلمين في بلاد الشرق، بإنشاء المدارس والمستشفيات والمعاهد التي اجتذبت أبناء البلاد وفق منهج مرسوم لإخراجهم من الإسلام، وكانت مؤسسة الاستشراق هي المصنع الذي يمد حركة التبشير بالمادة الخام التي تذيعها عن طريق الكتب والصحافة ومعاهد التعليم.

وقد عمد التبشير إلى استغلال الطلاب والمرضى، وتحويل عقائدهم والتأثير في مفاهيمهم وتحطيم معنوياتهم وتنشئة أجيال ممسوخة مبلبلة العقائد، مضطربة الثقافة، منكرة لقيمها وتراثها ولغتها وتاريخها ويمكن القول بأن المستشرقين هم طلائع المبشرين فقد غلب على معظمهم الهوى والتعصب، فلم يطبقوا المذهب العلمي الذي نادوا به في أبحاثهم، وكان جلة المستشرقين على اتصال دائم بوزارات المستعمرات.

وقد استهدف الاستشراق خدمة الاستعمار عن طريق العلم، وأسس جميع النظريات الاستعمارية التي قامت على التهوين من شأن الشرق والعرب والإسلام، وكلها نظريات انخدع بها باحثون أو خدعونا بها ورددوها في مؤلفاتهم، ولعل أهم ما ركز عليه الاستشراق والتبشير هو"الإسلام والنبي محمد"، فلقد أضافوا إلى مفاهيم الإسلام وتاريخ الرسول كثيرًا من الافتراءات والإدعاءات الباطلة، وكان مرجليوث، وفنسنك، ولويس شيخو، وهنري لامانس من أشد المستشرقين تعصبًا ضد الإسلام ورسوله.

وقد كشف الباحثون المنصفون أخطاء المستشرقين وسوء نواياهم، من أمثال: حسين الهراوي، وعمر فروخ، وشكيب أرسلان، ومحب الدين الخطيب، ورشيد رضا، وقد استهدف مخطط التبشير أهدافًا أساسية واضحة.

أولًا: تشويه الثقافة الإسلامية والتراث العربي والإسلامي.

ثانيًا: إفساد الخصائص المعنوية في البلاد العربية والإسلامية.

ثالثًا: خلق تخاذل روحي وشعوري بالنقص.

رابعًا: توسيع شقة الخلاف بين الطوائف والمذاهب وإثارة النزاع بين الأديان.

خامسًا: إخضاع العالم الإسلامي والأمة العربية للاستعمار الغربي.

سادسًا: إعداد شخصيات عربية تستسلم ولا تقاوم النفوذ الأجنبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت