وهذه أسمى مراتب الانتقام من الإسلام وأعظم الغايات الاستعمارية"أجل قضينا على برامج التعليم في الأقطار الإسلامية منذ خمسين عامًا، فأخرجنا منها القرآن وتاريخ الإسلام ومن ثم أخرجنا الشباب والفتاة الإسلامية من الوسائط التي تخلق فيهم العقيدة الوطنية والإخلاص والرجولة والدفاع عن الحق."
وثيقة خطيرة:
هذه هي أخطر وثائق التبشير التي يؤرخ بها للتعليم في البلاد العربية والإسلامية. ذلك لأن الإرساليات جاءت فوضعت البرامج التي تدمر الإنسان المسلم ثم جاءت المدارس الوطنية - في ظل النفوذ الاستعماري في مصر والمغرب والشام والهند وإندونيسيا - فاعتنقت هذه المناهج وطبقتها ولا تزال في جانب كبير منها مطبقة إلى اليوم. وقد ركزت الإرساليات على عدة أمور هامة:
أولًا:
أن تحتضن الفتاة المسلمة، فكانت أولى الإرساليات هي مدارس البنات لتعليم المرأة المسلمة في ظل مفاهيم مسيحية وعلمانية.
وقالت المبشرة المعروفة (أنا مليمنان) ليس ثمة طريق إلى حصن الإسلام أقصر مسافة من هذه المدرسة..
وقال المبشرون: لقد برهن التعليم على أنه أثمن الوسائل التي استطاع المبشرون أن يلجأوا إليها، في سعيهم لإخراج المسلمين من الإسلام.
ثانيا:
أن يكون التعليم وسيلة لعقد الولاء مع الأمة صاحبة المدرسة أو الجامعة، ولقد تردد طويلًا، أن الجامعات الأمريكية كانت وسيلة لتمهيد الطريق أمام المصالح الأمريكية وكانت منطلق العمل لتأكيد الصهيونية في العالم الإسلامي ودعمها، كما كانت الجامعات الفرنسية وسيلة لتثبيت النفوذ الفرنسي وكذلك الجامعات الإنجليزية.
ثالثًا:
أن يكون التعليم في الإرساليات وسيلة لهدم مفهوم العقيدة، وذلك بالدعوة إلى وحدة كل الأديان والعقائد والنحل والمذاهب، وحرية الجمع والمساواة بين الأديان المنزلة، وبين الأديان الوثنية وفتح الطريق أمام نقد"الدين"والسخرية به، وتصويره على أنه فكر قد مضى عهده، وأن العصر عصر العلم وأن الدين معارض للعلم.
رابعًا:
تقوية العنصريات والدعوة إلى الإقليميات والعصبيات والقوميات كالبربرية والتركية والفارسية والعربية، وإحياء الحضارات القديمة كالفينيقية والآشورية والبابلية والفرعونية، وإحياء الفلكلور القديم والآثار القديمة، لخلق ثقافات وتاريخ سابق للإسلام، مع أن الإسلام أقام قاعدة الانقطاع الحضاري بين حاضره وما سبقه من عصور طابعها الحضارية الوثنية.
خامسًا:
الدعوة إلى العاميات واللغة المحلية والقضاء على اللغة العربية الفصحى، والحيلولة بين النشء وبين تعلم لغته التي هي المفتاح للإسلام والقرآن، وإحياء العاميات والتركيز على تعليم اللغة الأجنبية، التي هي المدخل إلى مفاهيم الفكر الوافد، والإدعاء بأن اللغة العربية لم تعد صالحة لاستيعاب كل الأغراض، مع تفريغ اللغة الفصحى من الروح الإسلامي عن طريق كتابات الصحف والمسرحيات والإذاعة والأغاني التي تقدم مضامين وافدة غربية منقولة مكتوبة باللغة العربية.
وإقامة ثقافة خفيفة مستمدة من التفاهات مقام الثقافة الأصيلة ذات البيان العربي الرصين.
سادسًا:
الاعتماد على الترجمات من اللغات الأجنبية، وخاصة ترجمة قصص الجنس والإباحية، وقصص الإغريق الوثنية وكتابات سارتر وكافكا ونيتشة وغيرها، مما يثير في نفوس الشباب شبهات الشكوك والإلحاد.
سابعًا:
طرح الأيدلوجيات المختلفة والنظريات الفلسفية المتعددة في علم النفس والاجتماع والأخلاق، وكلها ترمي إلى تحطيم مفاهيم الدين الحق، وخلق روح حرية الشباب والجنس، والإفساد الأخلاقي بالأندية والسمر والرحلات المختلطة، واستغلال الفكر الماركسي في هدم المجتمع الإسلامي، وتقديم الشبهات المسيحية واليهودية في قالب من النظريات ذات الصبغة العلمية البراقة الكاذبة.
ثامنًا:
محاولة التشكيك في تاريخ إسلام وسيرة رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك بالإدعاء بأن القرآن مستمد من التوراة والإنجيل.
واستغلال الآيات التي مجد القرآن فيها السيد المسيح عليه السلام والسيدة مريم. للتبشير بالمسيحية ومحاولة إقناع المسلمين بفكرة التجسد. أو الإدعاء بأن الفكر الإسلامي مستمد من الفسلفة اليونانية.
تاسعًا؟:
تقديم مفاهيم فاسدة، عن الموسيقى والمسرح والفن والحضارة والتقدم والمعاصرة، تختلف مع مفهوم الإأسلام الأصيل.
عاشرًا:
إغراء الشباب المسلم بالبعثات الخارجية، وهي التي تستهدف تغيير شخصية الشباب بعد صهره في معاهد خاصة، ووضع الفتيات الأجنبيات في طريقه لعقد صلة اجتماعية تستمر مدى الحياة، وتكون عاملًا من عوامل خدمة أهداف التغريب، وحصار رجال البعثات بعد عودتهم، ليكونوا خادمين للثقافات الأجنبية، وهناك نماذج واضحة أمثال طه حسين ومحمود عزمي وغيرهما.
الدخول في التيه:
إن خطة الإرساليات التبشيرية لم تتوقف عند المدرسة والجامعة، ولكنها امتدت إلى الثقافة والصحافة.
وهي ليست خطة ضيقة مرتبطة بتغيير الدين فحسب، ولكنها خطة واسعة ترمي إلى تحويل العقل والنفس الإسلامي جميعًا، وإخراج المسلم من مفهوم الإسلام الصحيح، ومن قيم الإسلام الحقة بوصفه منهج حياة ونظام مجتمع وإدخاله في هاليز الفكر البشري الرطبة المظلمة، وصهره في أتون الوثنية والمادية والعلمانية والأممية وفتح الطريق أمام فكره وعقله وقلبه ليتقبل كل فكر وافد، ويتلقى كل ما تطرحه أعاصير الليبرالية والماركسية والتلمودية والوجودية وغيرها من السموم.
المهم هو إخراجه من الإسلام دون إدخاله في أي دين آخر وإبقائه مهمومًا يدور في الدائرة المظلمة المفرغة: دائرة التيه التي لا تجعل منه قوة صالحة لأي اتجاه، أو كما صوروا هذا في دقة"إن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله".
وبذلك فلا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبذلك يتحقق الهدف، ما هو الهدف؟ هو على حد تعبيرهم، أن يكونوا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية"."
وبمفهومنا نحن، خلق ذلك الجيل ذي الولاء الخاص العامل على تدمير مقومات المجتمع الإسلامي من حيث تمكينه لقيادة الثقافة والاستيلاء على ألوية التوجيه.
التبشير بغير جلده:
وقد تطور أسلوب التبشير، وخرج من مرحلة إلى مرحلة، واستطاع تغيير جلده ليوائم تطورات المجتمعات الإسلامية، وهم يركزون اليوم على أهدافهم القديمة بواسائل جديدة، فقد انتهى عهد المبشرين والدعاة الذي يقتحمون المستشفيات ويوزعون الأدوية والملابس وجاء ددور الخدمات الفنية والخدمات الاقتصادية والاجتماعية، في أنظمة مثل"التربية الأساسية"والتغلغل في أنحاء الريف ومخاطبة الناس والتعرف على نوازعهم.
وهي أساليب الجواسيس والمبشرين بصورة أخرى، قوامها السيطرة على توجيه المجتمع والجاسوسية السياسية للحصول على معلومات دقيقة من مصادر موثوق بها، وقد اتخذت أساليب جديدة قوامها الجداول الإحصائية لكل شيء في البلاد، مع التركيز على التعليم بالذات، وتجنيد رجال التربية في العالم العربي في مؤسساتهم وإغرائهم بالمرتبات الضخمة.
كما يدعون بين آن وآخر إلى مؤتمرات موسعة، والهدف هو تطبيق أفكار تربوية بحقل الفكر الإسلامي العربي تابعة للفكر الغربي المسيطر، وتطبيق مبادئ علم النفس وتجاربه على أبنائنا وتلاميذنا بهدف احتقار أوضاعنا ومقدراتنا والخروج من تقاليدنا إلى التقاليد الوافدة.