فهرس الكتاب

الصفحة 1157 من 3028

أيها المسلمون: ومن سمات هذه الأمة ،أنها أمة الغيث كما وصفها وشبهها الرسول صلى الله عليه وسلم بالمطر الذي ينتفع به الناس ،قال عليه الصلاة والسلام من حديث أنس عن الترمذي وغيره: (( ومثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خيرٌ أم آخره ) )فهذه الأمة ،أمة الغيث لا يدري أوله خير أم آخره ،لأن الغيث كله خير ،وفي كله خير ،في أوله وفي وسطه وفي آخره ،فكل نوبة من نوبات المطر لها فائدة في النماء لا يمكن إنكارها، والحكم بعدم نفعها بل إن كل حبة من حبات المطر له فائدته. فكذلك هذه الأمة ،كل فرد من أفراد هذه الأمة. ينفع ،وكل إنسان بمقدوره أن يقدم الكثير لأمته ولدينه ،لكن المشكلة أن هذا الشعور مفقود بين الناس اليوم. كل يقول: أنا فرد واحد ،وأنا ضعيف الإمكانات ،وماذا عساي أن أقدم ،أمام قوى الشرق والغرب. ثم إني مشغول جدًا بأعمال ولدي أطفال ،وزوجة مريضة، وأنا الوحيد لوالدي ،فما إن أنتهي من مشكلة إلا وتتبعها أخرى ،فنقول لك أيها المسلم: مع وجود كل هذه الأمور فيك ،ومع قلة إمكاناتك وضعفها ومع وجود المشاكل عليك، فأنت فرد في أمة الغيث، وأنت أحد حبات المطر ،وبإمكانك أن تقدم لا القليل بل الكثير، وسأضرب لك الآن بعض الأمثلة وبعض الأشياء التي يمكنك أن تقدمها للأمة ،لكن أولًا لابد من وجود هذا الشعور عندك ،وأنك فرد مهم، ولك دورك، وبإمكانك أن تقدم.

فمقدورك أيها المسلم أن تقدم الدعاء ،وهل يعجزك دعاء مخلص تطلقه في أي ساعة من ليل أو نهار مع وجود المشاكل عندك ،ومع كثرة أعباءك وأولادك وأمراضك. لا أظن أن أحدًا لا يمكن أن يقدم الدعاء للمسلمين ،تدعوا الله عز وجل بإخلاص وجد وحرص ،أن يفرج هم الأمة وأن ينقذها مما هي فيه.

تخيل أن كل مسلم قدم هذا العمل تخيل أن غالبية المسلمين رفعوا أيديهم إلى الله تعالى ،وهم يجأرون إلى الله ،بتضرع وتذلل أن ينقذ المسلمين من إعتداءات الصرب النصارى مثلًا ،أو من عدوان اليهود ، أو من أية بلية حالة بالمسلمين. ألا يمكن أن يوجد في هذه الملايين من هو مستجاب الدعوة ،فتلقى دعائه بابًا مفتوحًا في السماء فيكون فرج طائفة من المسلمين بسبب دعائه. يمكن هذا ،لكن أين الأدعية المخلصة ،ليل نهار.هذا عمل يمكنك أن تقدمه أيها المسلم.

عمل آخر: أن تكف نفسك عما حرّم الله ،هذا عمل لو قدمه كل مسلم للأمة فكم من الخير سوف يعم ،تخيل أن كل مسلم ،وكل صاحب القدرات والإمكانيات كما يقول هو ،تكفل لنا أن يحفظ نفسه عن فعل الحرام، فهذا ترك الزنا ،وذلك ترك شرب الخمر ،والجميع ترك الكذب والغش والسرقة والإعتداء على الآخرين إلى غير ذلك مما حرم الله ،كم تحصل الأمة ،على خير لو كفّ كل مسلم شره عن الآخر.

هذا العمل ،أتعجز عنه أيها المسلم أن تقدمه لأمتك ،هذا العمل ينفعك أنت أولًا ،ولا يحملك وزره يوم القيامة ،إضافة إلى الخير الذي سوف يعم ،فمن الذي لا يستطيع أن يقدم هذا لدينه وأمته ولنفسه.

نريد منك أيها الأخ الكريم أن تؤيد المسلمين في قضاياهم العامة ،تقف في صف مصالح الأمة ،ولا تقف ضدها ،كما يقف الآن ،عدد غير قليل من المنافقين والعلمانيين لصالح أسيادهم من دول الغرب الكافرة، وهم يحسبون على هذه الأمة عندما يعدون إحصائيات السكان، هل وأنت مشغول في قضاياك الخاصة وهمومك الداخلية ،هل يمنعك هذا من أن تقف مع العلماء المخلصين ،والدعاة الناصحين وهم يقدمون النصح للأمة ،لا نريدك أن تفعل شيئًا إذا كنت تقول لا أقدر على شيء ،فقط أيد كلام العلماء ،وقف في صف الدعاة والمصلحين ،ولا تقف ضدهم ،فهذا عمل كبير، فهذا عمل كبير، يمكنك أن تقدمه للأمة.

فلو أفتى العلماء بحرمة التصالح مع اليهود ،نريدك أيها المسلم الذي تقول عن نفسك أنك ضعيف أن تقف في صف هذه الفتوى لا ضدها.

لو تكلم الدعاة وتحرك المصلحون ،وقدموا عملًا طيبًا للأمة ،أما جمع تبرعات أو توزيع كتيبات ،أو أي عمل آخر ،لا نريدك أن تتبرع ،نريدك أن تؤيد هذه الأفكار الطيبة وتشجع عليها ،ولا تقف ضدها أو تعترض عليها ،أو تشوش عليها ،وأبقى بعد ذلك مشغولًا في همومك ومشاكلك الخاصة وأعمالك الخاصة.

فهل وعينا هذه القضية أيها الأخوة ، فأنت أيها الأخ الكريم ،قطرة من غيث هذه الأمة ،وكل قطرة كما أسلفنا تنفع بإذن الله ،وبمقدورك أن تقدم الكثير ،ولو أن تشارك المسلمين بمشاعرك الطيبة. فلا تحتقر نفسك ،ولا تنقص من قيمتك ،فكونك مسلمًا ،هذه لوحدها أكبر نعمة ،وفائدة عظيمة جدًا لك ولغيرك ،فما بالك لو أضيف معها القليل من العمل لخدمة هذا الدين.

فنسأل الله عز وجل أن يستعملنا في طاعته ،وأن يجعلنا جنودًا لخدمة دينه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول ما سمعتم.

الخطبة الثانية

أما بعد:

روى مسلم في صحيحه قوله عليه الصلاة والسلام: (( إن الله تعالى إذا أراد رحمة بأمةٍ من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره ) ). انظروا إلى رحمة الله جل وعز بنا هذه الأمة.

الأمم السابقة كانت إذا خالفت أمر الله ،وخالفت وعصت الرسول الذي أرسل إليها أهلكها الله عز وجل وعذبها ونبيها ينظر إليها أما هذه الأمة ،فمن رحمة الله بنا أن قبض رسوله صلى الله عليه وسلم.

وانظر الآن إلى المخالفات التي تخالفها هذه الأمة ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفات على مستوى الأفراد ،مخالفات على مستوى الشعوب ومخالفات على مستوى الدول ومخالفات على مستوى الأمة.

إنه ما من نبي من الأنبياء إلا ورأى عذاب قومه بعينه أو حصل لهم عذاب وهو حي بين ظهرانيهم.

فنوح عليه السلام قد دعا على قومه قال تعالى: وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا فاستجاب الله له فأهلكهم جميعًا حتى ولد نوح قال سبحانه: ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدًا للقوم الظالمين وقال سبحانه عن قوم هود: فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين وقال جل وعلا عن قوم صالح: فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى عنهم وقال يا يقوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين.

وقال سبحانه عن قوم لوط: فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرًا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين وقال تبارك وتعالى عن قوم شعيب: فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين.

أما هذه الأمة: فمن تمام رحمة الله بها أن قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها. جاء ملك الجبال إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ،ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك - وذلك عندما لم يقبلوا دعوته - وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت؟ إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا ) ). قال الله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت