فهرس الكتاب

الصفحة 1123 من 3028

أما في عصرنا فإن الدعاية الواسعة لها أعمت كثيرًا من الناس ـ ولا سيما في بلادنا ـ عن عيوبها التي يعرفها منظروها الغربيون. بل إن المفتونين بها المروجين لها صاروا يصورونها كالبلسم الشافي لكل مشكلات المجتمع السياسية وغير السياسية. لذلك رأيت أن أشارك في تصحيح هذه الصورة الكاذبة ابتداء بهذا المقال الذي أرجو أن يكون فاتحة لكتاب كامل عن مشكلات الديمقراطية والبدائل الإسلامية.

أول ما يؤخذ على الديمقراطية كونها اسمًا لا حقيقة له؛ أعني أنه إذا وصف لك نظام سياسي بأنه دكتاتوري أو ديني مثلًا تصورت ما المقصود بهذا الوصف، وكانت صورتك الذهنية هذه مطابقة للواقع الذي يوصف بهذا الوصف. ولكن ليس كذلك الامر بالنسبة للديمقراطية؛ إذ إن الديمقراطية كما يدل عليها اسمها، وكما يعرفها كبار منظريها وساستها هي حكم الشعب. لكن الصورة الواقعية لما يسمى بالديمقراطية ـ مهما كانت حسناتها أو سيئاتها ـ ليست هي حكم الشعب:

أولًا: لأن مفهوم الشعب نفسه مفهوم غامض كما يرى بعض كبار منظري الديمقراطية. استمع إلى الأستاذ (روبرت دال) الذي ربما كان صاحب أشمل بحث أمريكي عن الديمقراطية، وهو الذي وُصف في غلاف كتابه هذا الذي ننقل عنه بأنه «من أبرز منظري زماننا السياسيين» وأنه نال على هذا الكتاب جائزتين كبيرتين:

«إن دعاة الديمقراطية ـ بما في ذلك الفلاسفة السياسيون ـ يتميزون بكونهم يفترضون مقدمًا أن هنالك شعبًا موجودًا فعلًا. إنهم يعدون وجوده واقعًا صنعه التاريخ. لكن هذه الواقعية أمر مشكوك فيه، كما كان مشكوكًا فيه في الولايات المتحدة عام 1861م، عندما حسم الأمر بالعنف لا بالرضى ولا بالإجماع. إن الافتراض بأن هنالك شعبًا موجودًا، وما يبنى على هذا الافتراض من لوازم تصير جزءًا من النظرية الديمقراطية الخيالية» (2) .

ثانيًا: لأن الشعب لم يكن في يوم من الأيام ولن يكون حاكمًا؛ ذلك أمر متعذر. وإليك بعض شهادات أهلها على ذلك:

إن الديمقراطية المثالية هي ما يسمى بالديمقراطية المباشرة التي يقال إنها كانت تمارس في أثينا، أول دولة ديمقراطية نشأت في القرن الخامس قبل الميلاد. تسمى بالمباشرة؛ لأن «الشعب» كان يجتمع في العام أربعين مرة ليناقش كل القضايا السياسية المهمة مناقشة مباشرة ويصدر فيها قراراته. لكنها مع ذلك لم تكن حكم الشعب:

1 -لأن الذين أسسوا النظام الديمقراطي كانوا فئة قليلة من الناس هم الذين قرروا من الذي يستحق أن يدخل في مسمى الشعب الحاكم ومن الذي لا يستحق، فاستثنوا النساء، والرقيق، وكل من كان من أصل غير أثيني مهما طال مكثه فيها؛ وعليه فلم يكن الذين لهم حق المشاركة السياسية إلا نسبة ضئيلة من المواطنين (3) .

2 -كان يكفي لاعتبار الاجتماع منعقدًا أن يحضره ستة آلاف مما يقدر بست وثلاثين ألف عضو، أي إن القرارات المتخذة فيه لم تكن قرارات تلك الفئة كلها التي أعطيت حق الحكم.

3 -كانت مدة الاجتماع لا تتجاوز عشر ساعات؛ فلم يكن بإمكان الناس جميعًا أن يشاركوا في المداولات، وإنما كان الذي يستأثر بالكلام بعض قادتهم، وكانت البقية تابعة لهم.

لما بعثت الديمقراطية مرة ثانية في القرن الثامن عشر في أوروبا كان من المتعذر أن تكون ديمقراطية مثل ديقراطية أثينا بسبب الازدياد الكبير في عدد السكان، وصعوبة اجتماعهم. ولكن بدلًا من أن يقال إن الديمقراطية بمعنى حكم الشعب غير ممكنة الآن، فلنبحث عن نظام حكم آخر يتناسب مع واقعنا. تحايل بعضهم فسمى ديمقراطية أثينا بالديمقراطية المباشرة، واقترح أن تكون الديمقراطية الحديثة ديمقراطية غير مباشرة، أو ديمقراطية تمثيلية، أي ديمقراطية يختار فيها الشعب فئة قليلة منه تكون ممثلة له وحاكمة باسمه. كان هذا التحايل ضروريًا؛ لأنه كانت هنالك أزمة سيادة: من هو الجدير بأن يكون السيد الآمر الناهي الذي لا معقِّب لحكمه؟ كانت هذه السيادة للملوك، وكانوا يعدون هذا الحق حقًا إلهيًا أعطاهموه الله تعالى؛ لأن الناس كانوا قبل ذلك مؤمنين يعتقدون أن مثل هذه السيادة لا تكون إلا لله أو لمن أعطاها الله له. لكن الناس لم يعودوا يؤمنون بهذا بعد الثورة الفكرية الكبيرة التي حدثت في قرنهم الثامن عشر، والتي كانت في مجملها دعوة للانسلاخ من حكم الدين في كل مجال من مجالات الحياة. لم يكن هنالك من بديل لحكم الله أو لحق الملوك المقدس في الحكم، إلا أن يقال إن الحكم للشعب كله؛ فهو صاحب الكلمة الأخيرة فيما ينبغي أن يكون أو لا يكون. لكن الديمقراطية التمثيلية أو النيابية كانت بالضرورة أبعد من الديمقراطية المباشرة عن أن تكون حكمًا للشعب؛ وذلك:

1 -لأن الحكم له معنيان: حكم تشريعي، وحكم تنفيذي. فبأي معنى يَحْكُم الشعب؟ لا يمكن أن يَحْكُم بالمعنى الثاني؛ لأن الشعب لا يمكن أن يكون كله رأس دولة أو مجلس وزراء أو قائد جيش، وكان الفيلسوف الفرنسي روسو أول من سخر من الديمقراطية بمعنى الحكم التنفيذي، فقال:

إذا أخذنا العبارة ـ يعني كلمة الديمقراطية ـ بمعناها الدقيق؛ فإنه لم تكن هنالك قطُّ ديمقراطية حقيقية، ولن تكون. إنه من المخالف للنظام الطبيعي أن تكون الأغلبية حاكمة والأقلية محكومة. إنه لا يتصور أن يكون الشعب مجتمعًا دائمًا لقضاء وقته في تصريف الشؤون العامة. ومن الواضح أنه لا يمكن أن يكون لجانًا لهذا الغرض إلا بتغيير شكل النظام الإداري (4) .

2 -لم يبق إذن إلا الحكم بمعنى التشريع؛ لكن الشعب ليس هو المشرِّع في الديمقراطية النيابية، وإنما هو الذي ينتخب من يشرع. ومرة أخرى نستمع إلى روسو ساخرًا من هذا:

إن الأمة الإنجليزية تعتبر نفسها حرة؛ لكنها مخطئة خطأ فادحًا؛ إنها حرة إبَّان فترة انتخابات أعضاء البرلمان؛ وبمجرد أن ينتخبوا؛ فإن العبودية تسيطر عليها، فلا تكون شيئًا. وكيفية استفادتها من لحظات الحرية القصيرة التي تستمتع بها تدل حقًا على أنها تستحق أن تفقدها (5) .

3 -لأن نواب الشعب ليسوا هم الشعب حتى لو كان اختياره لهم بالإجماع. ربما كان هذا معقولًا لو أن النواب يجتمعون للبت في قضية واحدة يعرف كل منهم رأي ممثليه فيها، أما والقضايا كثيرة ومعقدة وبحاجة إلى علم لا يتأتى لعامة الناس؛ فإن الحكم لا يكون حكم الشعب. نعم! إن كل نائب منهم يتجنب المشاركة في تشريع يعلم أن أكثر الناس في دائرته الانتخابية لا توافق عليه، وأنه إن شارك فيه فربما يفقد مقعده في الانتخابات التالية. لكن هذا قليل جدًا من كثير.

4 -والمنتخبون لا يكونون في الواقع منتخبين بالإجماع الذي يقتضيه وصف الحكم بأنه حكم الشعب، وإنما ينتخبون بالأغلبية، والأغلبية ليست هي الكل، وما ترتضيه الأغلبية في دائرة معينة قد لا ترتضيه الأغلبية في دائرة أخرى، أو قد لا ترتضيه أغلبية الشعب لو كان انتخابه مباشرًا، لكنه مع ذلك يعد ممثلًا للشعب وحاكمًا باسمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت