مبدأ النقد والتوازن Checking and Balancing هو قاعدة ذهبيه يستعمله الغرب في كل منظماتهم وشركاتهم ومؤساساتهم ليطوروا أنفسهم نحو الأفضل ويحصلوا على نتائج أحسن خالية من العيوب خلال العمل والإنتاج.
وقد جرت إحصائية في أمريكا لمعرفة الصفات الرئيسية المشتركة لرؤساء الشركات الناجحين CEO. فوجد أن الصفة الأولى أنهم يحبون أن يسمعوا الإنتقادات حتى يتجنبوا الأخطاء خلال العمل.
ومن قبل قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"رحم الله من أهدى إلى عيوبي"، فوضع الإنتقاد في مرتبة الهداية.
وكذلك يُروى أن عمر دعا الناس يومًا فصعد المنبر فقال:"يا معشر المسلمين، ماذا تقولون لو ملت برأسي إلى الدنيا..؟ إني لأخاف أن أخطئ فلا يردني أحد منكم تعظيمًا لي، إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني". فقال رجل:"والله يا أمير المؤمنين، لو رأيناك معوجًا لقومناك بسيوفنا". عندها أجاب الخليفة قائلًا:"رحمكم الله، والحمد لله الذي جعل فيكم من يقوِّم عمر بسيفه".
وكان الخليفة الراشدي الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ـ الذي وصل الإسلام في عهده إلى العصر الذهبي ـ يوزع الجوائز من بيت مال المسلمين لمن أهداه إلى خطأ وأرشده الصواب.
وقد سئل نزار القباني: ما أحلى كلمة قيلت في حقك بعد خمسين سنة من الشعر، فأجاب:"عندما وقف أحد النقاد في محاضرة شعرية وقال لي: إعتزل الشعر فكتاباتك فيها خروج وإباحية وأنت لا تعرف الكتابة ولا الوزن ولا القافية. فما كان مني إلا أن إبتسمت؛ وليلتها ذهبت إلى منزلي وبدأت أقرأ لأتعلم القراءه والكتابة من جديد". وقد أثر كلام ذلك الناقد على فكر ذلك الشاعر فأدخل تغيرا في حياته.
والأمة المتقدمة لا تتطرق لمحاسن أجدادها بقدر ما تتطرق لأخطاء الماضي والحاضر حتى لا تقع فيها بالمستقبل. فالإنتقاد هو المرآة التي تعكس صورة الفرد لنفسه وصورة المجتمع لأفراده، ويجنب أفرد المجتمع بما فيهم القيادين والإداريين الأخطاء. والإنتقاد يبدأ من إنتقاد الفرد لذاته ويساعده على ذلك الإصغاء لسلوك من حوله.
أما في وقتنا الحاضر ـ إلا من رحم ربك ـ فتجد بعض الناس إذا أراد أن ينتقد أراء بعض العلماء فعليه أن يكتب إطروحة تبدأ بسطرين أو ثلاثة بالحمد والثناء على الله تعالى. ثم صفحة أو أكثر مليئة بالشكر والثناء والتمجيد والتعظيم والتبجيل والإجلال لشخص الشيخ مع ذكر أثاره ومناقبه ومثاقبه. والأسطر الثلاثة الأخيرة تكون للإنتقاد...!. وقد يسلم الناقد من ردة فعل الشيخ ولسانه وقد لا يسلم (إلا من رحم ربك) ...!. كما سمعت من خلال الإنترنت عن بعض القصص التي تجول عن شيخ إحدى المنظمات العلمية الإسلامية المشهورة في الوطن العربي والإسلامي.
وقد لقد فهم عمر نفوس الناس على علاتها فخشي على نفسه وعلى أمته من داء المداهنة والمجاملة التي تعمي الطريق الصحيح على العيون. فعندما استلم الخلافة نبه الناس إلى خطر داء التعظيم له فقال:"إني لأخاف أن أخطئ فلا يردني أحد منكم تعظيمًا لي، إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني". وعندما قال له الرجل بلهجة قوية وفيها تهديد:"لقومناك بسيوفنا"، إرتاح عندها الخليفة وقال:"رحمكم الله، والحمد لله الذي جعل فيكم من يقوِّم عمر بسيفه". ولم يقم أحد من الجالسين ليؤنب الرجل وليقول له:"من أنت حتى تتكلم بهذه اللهجة مع أمير المؤمنين"...؟ رغم أن الرجل كان من عامة الناس ولم يذكر إسمه داخل هذه القصة.
وبالمقارنة... فمن يستطيع في عصرنا أن ينتقد من يقال عنهم ورثة الأنبياء بذلك الإسلوب...؟، فأول تهمة ستوجه إليه:"من أنت حتى تنتقد الشيخ الفلاني"...؟ هذا إن لم يطرد من المجلس كله.
إذا كان عمر لم يكن عنده عصمة وقد فهما بعقله وطبقها بقوله وعمله وكان يسمع للصغير والكبير والمتعلم والجاهل...فلا أدري من أين أتت العصمة لورثة أنبياء عصرنا...!. وهكذا تقتل الأفكار والعقول وتسري الأخطاء في المجتمع كما تسري الجراثيم في الدماء.
وتتوج الهالة الدينية بالإدعاء بأن كذا من الناس هو عالم رباني أو رجل رباني...! وهذا من المضحكات المبكيات التي لم ينتقدها علماء المسلمين ولم يتصدوا لها رغم إنتقادهم الشديد لكلمة"رجال الدين". ولا أدري أيهما أشد وأسوأ وقعا في صدور الناس، بأن تلصق صفة للعالم ويقال عنه"رجل دين"أو أن تلصق صفة له بالرب ـ والعياذ بالله ـ ويقال عنه"عالم رباني"...؟. ولقد قيل لي إن معنى عالم رباني أي مربي، ولكن هناك فرق كبير عندما نقول عالم مربي أو عالم رباني، والسؤال هو كيف سيكون وقع هذه الكلمة في صدور العامة من الناس...؟.
حتى لا نخرج عن الحوار حول الديمقراطية أحببت أن أضع بين أيديكم هذا المقال الذي يبين وجهتي النظر المختلفتين اللتين يتبناهما الأعضاء الكاتبون حول الموضوع أعلاه، وفيما يلي نص المقال: الإسلاميون والديمقراطية..
بقلم: محمود حسن جناحي
حقيقة موقف الإسلاميين من الديمقراطية موضوع من أكثر الأمور جدلًا على الساحتين السياسية والفكرية، وقد توزعت الآراء وتنوعت الاجتهادات فيه، وبرز للإسلاميين موقفان متناقضان، الأول: الرفض المطلق للديمقراطية، والثاني: القبول بها داخل إطار إسلامي.
الموقف الأول: الرفض
يعتبر أصحاب هذا الرأي الديمقراطية بضاعة مستوردة من ديار الكفر، وعملة غربية لا تصلح لحياة المسلمين، وأن أهم ما تحتوي عليه من عناصر، وأفضل ما تتميز به من صفات، يشتمل عليه الإسلام، وأنها ما هي إلا وسيلة لحرب الإسلام والمسلمين.
يقول"عدنان علي رضا النحوي"في كتابه (الشورى لا الديمقراطية) :"كانت الديمقراطية أداةً لمحاولة إزاحة قوة الإسلام من المجتمع، من الصدور، من العقول، من القلوب، كانت الوسيلة المستخدمة لرفع الحجاب عن المرأة، وإقرار الاختلاط، والتمكين للعلمانية، ودخول المبادئ الهدامة إلى العالم الإسلامي"... ويعتبر"النحوي"أن الديمقراطية حملت ثلاث قضايا إلى دار الإسلام، وكانت منطلقًا لكل الانحرافات الأخرى: الحكم للشعب كقانون عام مطلق، لا سلطة لشيء فوقه أبدًا، وفرض رأي الأكثرية من دون أية ضوابط حتَّى أصبحت الأكثرية تشرع وتحلل وتحرم على غير ما أنزل الله، ونشر اللادينية أي العلمانية"."
ويقول"محمود الخالدي"في كتابه"الديمقراطية الغربية في ضوء الشريعة الإسلامية":"إن الوصف الصحيح للنظام الديمقراطي، هو ذلك النظام الذي يعتبر فصل الدين عن الحياة هو القاعدة الفكرية التي تبني مفهومه الذي يتمثل في الإصرار على أن السيادة للشعب، وأن الحاكم الذي له حق إصدار الأحكام على أفعال الإنسان إنما هو العقل وحده، إذ لا علاقة للخالق بذلك، فما لقيصر لقيصر، وما لله لله... فالحاكمية والسيادة وإصدار الأحكام إنما هي للعقل لا للشرع."
الإنسان هو الحاكم، والإنسان هو المشرّع، والإنسان هو صاحب السيادة ممثلًا في رأي الغالبية"."
أما"عبدالغني الرحال"السلفي الاتجاه، فله مؤلف كبير في نقد الديمقراطية، يقع في أكثر من 500 صفحة، بعنوان"الإسلاميون وسراب الديمقراطية"، وينتهي فيه إلى النتائج الآتية:
* الديمقراطية منهج غربي يخدم في الحقيقة طبقة معينة.
* وأن المجالس النيابية في العالم الإسلامي لا ترجع في تشريعاتها إلى الكتاب والسنة.
* وأنه من البدعة مشاركة الإسلاميين في هذه المجالس.
الموقف الثاني: القبول داخل الإطار الإسلامي