فهرس الكتاب

الصفحة 1100 من 3028

لذلك تأتي آراؤهم وأحكامهم ناقصة الأدلة الصحيحة من النص أو الاستقراء .

ج - الجهل بمراتب المصادر العلمية أو تجاهل ذلك ، ومن هنا يتحكمون في

المصادر التي يختارونها ، فتجدهم ينقلون من كتب الأدب ما يحكمون به في تاريخ

الحديث النبوي ، وينقلون من كتب التاريخ ما يحكمون به في الفقه ، ويصححون ما

ينقله الدميري (مثلًا) في كتاب حياة الحيوان ، ويكذبون ما يرويه الإمام مالك في

الموطأ ، ويهاجمون صحيح البخاري ، ويمجدون كتاب الأغاني [2] ..

د - فقدان الأمانة العلمية تجاه المباحث الإسلامية وذلك لخاصتين متأصلتين

في النفسية الأوربية شهد بهما كاتب مطلع من بني جلدتهم هو محمد أسد [3] ،

وواقع الحال يثبت ذلك:

الخاصية الأولى: هي كراهية الأوربيين للمباحث الدينية نتيجة للصراع بين

العلم والكنيسة الذي عاشته فترة طويلة من تاريخها .

والخاصية الثانية: الكراهة المتأصلة بينهم وبين المسلمين نتيجة للعداء

التاريخي في الأندلس وفي الحروب الصليبية إضافة إلى ما في طبيعة النفس الكافرة

من الجحود وكره الحق والإيمان وأهله ، وقد لاحظ هذا محمد أسد في كتابه:

الإسلام على مفترق الطرق ، وقال: إن المستشرقين لا يحتفظون تجاه البحث في

الإسلام بموقف علمي متزن ... وذكر مجموعة من الطرق التي يلجأون إليها في

تشويه الإسلام . [4] .

3 -التفسير الخاطئ والفهم العجيب للنصوص:

وهذا راجع إما للجهل حقيقة - هو أمر غير مستبعد - وخاصة أن جل

المستشرقين لا يكادون يدركون معاني الألفاظ العربية ودلالتها ولا يحيطون بكتب

العلم والثقافة الإسلامية ، فيقعون نتيجة لذلك في أخطاء فاضحة ، وإما تعمدا ، وهذا

نابع من الحنق على المسلمين والعداء لهم ، وإننا نلحظ هذا التفسير الخاطئ في

كتابات المستشرقين عن كثير من القضايا الإسلامية مثل الجهاد والرق ، ومكانة

المرأة في الإسلام ، والنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمذاهب والفرق

الإسلامية ... الخ ، لأن مثل هذه القضايا لا تفسر بناء على الوقائع التاريخية وحدها

بل لابد للكتابة فيها من معرفة الأحكام الشرعية وأصول التفسير والفقه وقواعد

الشريعة ، لأن معرفة هذه الأصول أمر لازم لمن يحلل النصوص التاريخية عن هذه

القضايا ويفسرها ، وهذا الجانب من المعرفة مفتقد - مع الأسف - عند عامة من

كتبوا في التاريخ الإسلامي من المعاصرين سواء من المستشرقين أو المتخصصين

في التاريخ من أبناء المسلمين وهذا راجع إلى الفصل القائم في كثير من دور العلم

بين الدراسات الشرعية والدراسات التاريخية .

ومن المعلوم أن التاريخ ليس هو الحدث وحده بل هو الحدث وتفسيره والحدث

وباعثه . ولاشك أن العقيدة تأخذ جانبًا كبيرًا في تحديد البواعث والأهداف ، ومن

هنا تأتي ضرورة معرفة الاتجاهات العقدية عند من صنعوا الحدث ومن كتبوه ومن

فسروه ، حتى نستطيع أن نقدر التقدير الصحيح والنسب الحقيقية لكل العناصر

الفاعلة في الحدت التاريخي ، الذي هو عبارة عن فعل صدر من إنسان في زمان

ومكان معين وقبله ومعه ، وبعده قدر الله المحيط بكل شيء ، فلابد من إدراك هذه

العناصر الثلاثة الفاعلة في الحدث التاريخي ومعرفة أثر كل عنصر منها وحجمه ،

حتى نفسر الحدث التاريخي تفسيرًا مقاربًا للواقع .

4 -الاعتماد على مجرد الهوى في النقد والتحليل للحوادث التاريخية:

إن نقد الأخبار يخضع لمقاييس وضوابط علمية قررها العلماء الذين كتبوا في

هذه المجالات مثل علماء الأصول وعلماء الجرح والتعديل وعلماء المنطق ، ولابد

من الالتزام بهذه الأصول في نقد الأخبار ، إذ لا يجوز رد الأخبار لمجرد عدم قبول

الإنسان لها وانشراح نفسه لما تدل عليه أو عدم تذوقه لمثل هذه الأخبار ، لأن الحكم

بالذوق والهوى وعدم الموافقة الشخصية لا يجوز أن يدخل في ميدان العلم وإنما هذا

بميدان الأدب وماشاكله أليق لخضوعها للعاطفة والتذوق الشخصي ، أما الأخبار

التاريخية فإنها وقائع عن حقائق ولابد أن تنقد على أصول نقد الحقائق العلمية ،

ومن الأمثلة على هذه الوسيلة ما نجده عند كثير من المستشرقين وبعض من تأثر

بهم مع ادعائهم مناقشة القضايا بمنطق العقل والعلم ولكن إذا فتشت في كتبهم وجدت

أن ذلك مجرد دعوى لا دليل عليها بل الواقع يناقضها ، وأن نقدهم للنصوص

والأخبار هو بمجرد الهوى والتذوق والميل الشخصي ، انظر مثالًا على ذلك(طه

حسين)في كتابه: على هامش السيرة ، الذي قيل إنه أحسن كتاب له في

الإسلاميات ، وتراجع فيه عن كثير من آرائه السابقة فكثيرًا ما يستخدم مثل هذه

العبارات المثيرة للشكوك: (قيل ويقال ويروى ، وأكاد أقطع ، وأكبر الظن ! ! .. )

وقد قال عن حديث متفق عليه:"وأكاد أقطع أن هذا الحديث مهما كان سنده غير"

صحيح" [5] ."

فبمثل هذا القول يرد حديثًا في الصحيحين ويدعي مع ذلك اتباع المنهج العلمي

بل ينتقد علماء المسلمين ويشكك في معلوماتهم ومنهجهم العلمي ! ! .

5-عرض جانب من الحقيقة ووضع الخبر في غير سياقه الصحيح:

وذلك أن التاريخ إذا عرض جانب منه وأخفي الجانب الآخر فإنه لا يعطي

الصورة كاملة بل يشوهها وخاصة إذا أخذت الصورة الضعيفة وجمعت النقاط السود ،

فمثلًا إذا ركزنا في دراسة التاريخ الإسلامي على عرض جانب الأحداث الداخلية ،

والحياة السياسية ، وقيام الحكام ، وسقوطهم ، وثورات بعضهم على بعض وقلنا

بأن هذا هو التاريخ الإسلامي فإن الصورة تكون قاتمة ومشوهة ، لأننا أخذنا أضعف

الصور وأشدها قتامة وقلنا هذه هي الحقيقة كاملة .

ولو أننا عرضنا مثلًا الجانب الذي ركز عليه صاحب كتاب الأغاني وأبرزناه

على أنه التاريخ الاجتماعي والخلقي لأعطانا صورة مشوهة لمجتمع الحجاز وأنه

عاش فترة من الخمول والانشغال بالملذات الحسية والغناء والطرب وما شابه ذلك .

وهذه النتيجة - مع الأسف - صرح بها وكررها كثير من الباحثين

المعاصرين من أمثال أحمد أمين ، وطه حسين ، وشوقي ضيف [6] .. وغيرهم من

مؤرخي الأدب وألمح إليها الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابه(تاريخ الإسلام

السياسي)وغيره من المؤرخين الذين كتبوا في تاريخ هذه الفترة [7] ... وهذه

الصور مع افتراض صحة كل الأخبار التي أوردها صاحب الكتاب - وهو افتراض

بعيد - لا تعطي الحقيقة كلها ، ولا تصلح حجة لإصدار حكم عام على المجتمع

المدني والمكي ، لأن كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني خاص بالأغاني العربية ،

كما يدل عليه اسمه ، وكما صرح مؤلفه في مقدمة كتابه فهو إذن حديث عن فئة

خاصة أقلية النسبة للمجتمع ، وأيضًا في أضعف نوعيات المجتمع وهي فئة المغنين

والجواري والعبدان وأصحاب اللهو والمجون ، ثم إن صاحب الكتاب يعرض

الجانب الضعيف من حياة هذه الفئة ، ولا يذكر مواطن الجد والشجاعة والرجولة

والاستقامة من حياتهم ، ثم هي فئة لاتمثل المجتمع بأي شكل من الأشكال وإنما

ينظر إليها العقلاء في كل وقت وعصر حتى مع تغير المفاهيم وبعد كثير من الناس

عن حقيقة الدين إلى أنها فئة ساقطة ومحتقرة وخاصة في المجتمع الذي يتحدث عنه

صاحب الكتاب ، فهذا الإمام مالك إمام دار الهجرة يقول عنهم:"إنما كنا نسميهم"

الفساق" [8] وليس من الأمانة العلمية أن نصدر حكمًا عامًا على مجتمع من"

المجتمعات أو أمة من الأمم من واقع شريحة واحدة من شرائح المجتمع ، كبيرة

كانت أم صغيرة ، بل لابد من النظر إلى كافة جوانب حياة الأمة الإيجابية منها

والسلبية .

6-إضعاف دراسة التاريخ الإسلامي ومزاحمته بغيره:

إن من وسائل دعاة الغزو الفكري إضعاف دراسة تاريخ الأمة الإسلامية في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت