ونتيجة لذلك فقد حفظ المسلمون عبر مختلف الفترات الزمنية للطائفة اليهودية في اليمن حقوقهم المادية والمعنوية، فتحسنت أوضاعهم الاجتماعية والحياتية في ظل الأمن الذي كفله الإسلام لهم، وتحققت حريتهم الدينية عبر ممارستهم لطقوسهم الشعائرية في العديد من بيوت العبادة، التي لم تتعرض للإهانة أو الهدم خلال فترات الفوضى السياسية والأمنية والاجتماعية في اليمن، وهو ما أكده حاخام مدينة صنعاء يحيى بن إسحاق في معرض حديثه مع نزيه العظم الذي زار اليمن في أوائل القرن العشرين الميلادي، حيث أشار إلى أنه توجد في صنعاء 15 مدرسة دينية، و 19 كنيسة، وشدد على مدى حريتهم في ممارسة الطقوس الدينية، وتطبيق قواعد الشريعة اليهودية، دون أن يعترضهم معترض.
وليس ذلك فحسب، بل فقد عمدت الدولة العثمانية خلال حكمها اليمن على تعيين شخص على رأس الطائفة اليهودية عرف بالحاخام باشا والذي منح حق إصدار الأحكام على أبناء الطائفة، وقد استمر المنصب قائما في عهد الأئمة وبخاصة الإمام يحيى حميد الدين، الذي تعززت على عهده سلطة الحاخام على الطائفة، بحيث لم يكن لأحد دون الإمام نقض ما أبرمه من حكم، بل إنه كان للحاخام يحيى الأبيض، ومن بعده الحاخام سالم سعيد الجمل الحق في الدخول على الإمام يحيى في أي وقت ليعرضوا عليه شكواهم، أو ليحلوا مشكلة بين يهودي ومسلم، كما لم يقتصر الأمر على ذلك، بل تعداه ليصل إلى طلب بعض اليمنيين المسلمين من الحاخام التدخل لدى الإمام لحل بعض مشاكلهم لديه.
وإضافة إلى حريتهم في ممارستهم لطقوسهم الدينية المختلفة فقد تمتعوا بالاحتفال بأعيادهم المتعددة مثل عيد الفصح، وعيد الكيبور (الغفران) ، وعيد رأس السنة ويسمونه عيد (العوشة) ، فيرقصون ويحتفلون بمشاركة المسلمين الذين لم يتحرجوا في إبداء فرحتهم والرقص معهم.
أما فيما يتعلق بأحوالهم الاقتصادية فإنها لم تتضرر بما هو مقرر عليهم من جزية ضئيلة سنوية، عوضا على أنهم وكأقلية اجتماعية ودينية لم يشملهم مجمل قواعد الأعراف القبلية المنصوص عليها داخل المجتمع اليمني، مما مكنهم من العيش بحرية واطمئنان بين جموع القبائل اليمنية، وهو ما لاحظه العالم الإنجليزي هيو سكوت الذي كتب في نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين الميلادي قائلا: إن اليهود في اليمن كانوا مرتاحين من وضعهم، وأن الناس تعاملوا معهم حسب العادات المحلية.
أوضاع اليهود الاجتماعية في اليمن خلال الحكم الإسلامي
لم يكن على اليهود من التزام تجاه المجتمع المسلم في اليمن والعالم الإسلامي قاطبة سوى دفع الجزية المقررة، وعدم ممارسة الربا أو القيام بأي عمل يسيء للإسلام والمسلمين، وعليه فقد تمتع المجتمع اليهودي في اليمن بممارسة حياتهم بالكيفية التي تتواءم مع معتقداتهم الدينية، وتشريعاتهم الحياتية، فعمدوا إلى التزاوج فيما بينهم، وحرصوا على استمرارية تعليمهم الديني، وحافظوا على مجمل عاداتهم وأعرافهم الدينية والحياتية الخاصة.
وقد انقسموا مجتمعيا بحسب العرف الديني إلى قسمين هما أولا: هارونيين وهم من ذرية أوائل من قدم مع الملك الحميري السابق الذكر بحسب الرواية العربية للنشأة اليهودية، ولا يشكلون سوى 10% من مجمل عدد يهود اليمن، ويتولون تنفيذ الطقوس والشعائر الدينية، وعقد الأنكحة، كما يقومون بالذبح والختان وغير ذلك، وثانيا: غير هارونيين وهم المعتنقون للديانة اليهودية من عامة أفراد الناس.
كما تميز مجتمع اليهود عن غيرهم في اليمن بعادة احتفاظهم بالزنانير المسدلة كذؤابتين متدليتين من على شعور رؤوسهم، وقد فرضت في العهد الحميري على عهد الملك اليهودي العقيدة ذي نواس لتمييزهم عن باقي اليمنيين، وتجدر الإشارة إلى أن هذه العادة لم تنقطع خلال مختلف القرون وحتى الوقت الراهن، إذ لا تزال موجودة عند اليهود اليمنيين المتدينين المهاجرين إلى فلسطين المحتلة، كما أنها قد شكلت العلامة الفارقة بين الإنسان اليهودي وغيره من عامة الناس المسلمين في اليمن، ذلك أن لا فوارق لغوية وثقافية بين اليهود وغيرهم داخل إطار المجتمع القبلي والمدني بصفة عامة.
وبالنسبة للمسكن فقد انتشر اليهود في مختلف أرجاء اليمن ريفا وحضرا، وإن كان تمركزهم في المدن أكثر لطبيعة حياتهم المهنية، وقد كان اليهود في اليمن مثل بقية مناطق العالم يميلون إلى السكنى في أحياء خاصة بهم تحمل أسماءهم، ففي مدينة صنعاء مثلا، حُدد لهم حي مستديم عرف بقاع اليهود الواقع في الغرب من المدينة، والمنقسم إلى 20 حارة، يحوي ما يقرب من 10 آلاف نفس تقريبا، وفي مدينة عدن الصغيرة تقاسم اليهود السكنى مع السكان المحليين المسلمين، بل إن عددهم في بعض الفترات قد فاق عدد المسلمين وبخاصة بعد احتلال بريطانيا للمدينة عام 1839م، كما لم يختلف الأمر في عدن عن صنعاء من حيث انزواء اليهود في أحياء خاصة بهم، وهو ما ساد مختلف التجمعات السكانية اليهودية في مختلف مدن اليمن وقراها، الأمر الذي وفر لهم الحماية خلال فترات الفوضى والاضطرابات، إذ كان الاعتداء عليهم وهم ليسوا طرفا في النزاع يعتبر عملا ممقوتا اجتماعيا.
وقد اشتغل اليهود في اليمن بالمهن الحرفية والأنشطة اليدوية مستغلين عزوف فئات المجتمع اليمني عن العمل بها فكان أن سيطر اليهود على مقدرات الحياة الاقتصادية بمجمل تفاصيلها، ولم يعد للفرد اليمني وصولا لصانع القرار الرئيسي من قدرة على الاستغناء عن مختلف الخدمات التي يقدمها الفرد اليهودي المحتكر لصناعة الحلي، وصناعة الأسلحة التقليدية (الخناجر والسيوف) ، وكل ما هو متعلق بها، والصناعات الجلدية، وأعمال النجارة والزخرفة، وأعمال الحياكة والتطريز، وأعمال البناء، وغيرها من الحرف اليدوية.
كما اشتغل البعض الأخر منهم بالتجارة مستفيدين من خاصية حرية التنقل التي كفلتها لهم الأعراف القبلية في اليمن، الأمر الذي حدا بعدد من الرحالة الغربيين على التنكر بزي اليهود حال تجوالهم في بقاع اليمن، إضافة إلى ذلك فقد سهل المحتل البريطاني في عدن والمحميات الجنوبية لهم إجراء وتنفيذ الكثير من العمليات التجارية بحرية ودون قيد، مما أدى إلى احتكارهم للكثير من الصناعات اليدوية، والعديد من الوكالات التجارية، كتجارة البن اليمني، وريش النعام وغيرها.
تجدر الإشارة إلى أن عددا منهم قد شغل مناصب عالية في الدولة خلال مختلف الحقب التاريخية وبخاصة في الأعمال التي تتعلق بالخدمات، ومنها ما كان على عهد الإمام القاسم بن الحسين المتوفى سنة 1726م/1139هـ الذي قلد زعيم الطائفة اليهودية في عهده وظيفة المسؤول الأول عن الجمارك، والقصور، والبساتين في اليمن ؛ وما كان أيضا في زمن الإمام يحيى حميد الدين المتوفى سنة 1948م/1367هـ الذي أسند مهمة سك العملة النحاسية إلى بعض منهم، واعتمد في العديد من صفقاته الخارجية عليهم، كما حدث مع التاجر اليهودي إسحاق سبيري، علاوة على ذلك فلم يمنعهم من المساهمة المالية في الشركة اليمنية للتجارة والصناعة والزراعة حال إنشاءها، وكان من جراء ذلك أن انتعشت الحركة الاقتصادية بين الجالية اليهودية، واشتهرت بعض البيوت فيها بالتجارة مثل أسرة حبشوش وغيرها.
أوضاع اليهود السياسية خلال الحكم الإسلامي في اليمن