برامج التعليم: بعد أن استقر الغزاة في بلادنا رأوا أنهم لا قرار لهم في أرضنا ما لم يتبعوا غزوهم هذا بانقلاب فكري وغزو ثقافي فإن سيوف الغزو الثقافي أمضى بكثير من سيوف الغزو العسكري ولتحقيق هذه الغاية أحدثوا انقلابا جذريا في برامج التعليم ومناهج دور العلم ووضعوا مخططا جديدا يكفل لهم إيجاد أجيال من المسلمين تدين بدينهم وتقول بقولهم وتفعل بفعلهم ولا تَمُتُّ إلى الإسلام إلا بصلة الانتماء الاسمي في الوقت الذي تتنكر فيه للإسلام في العقيدة والسلوك. وكانت المدارس التي طبقت هذه المناهج نوعين: مدارس المبشرين التي تدار بواسطة الغزاة مباشرة ومدارس تدار بواسطة أذناب الغزاة تحت ألقاب إسلامية خادعة. وآتت هذه المدارس أكلها وأنبتت نابتة من المسلمين على أعين الغزاة وتحت سمعهم وبصرهم, فكانت كما أريد لها أن تكون متنكرة لكل تراثها الفكري والروحي والحضاري مكبرة ومجلة للغازي وحضارته وتراثه ورسالته. وبعبارة أخرى كانت هذه الأجيال الجديدة هي الهجين الذي أدخل على الأمة الإسلامية وليس منها. أجيال هي غربية عن هذه الأمة وعن عقيدتها وعن حضارتها وعن فكرتها وعن نظرتها للحياة والكون والإنسان. وزيادة في إحكام الخطة وحرصا على استمرار الحرب ضد الإسلام، فقد عهد المستعمرون الغزاة إلى هذا الجيل الذي رُبِّي في محاضنهم وغذي بلبانهم وأشرب قلبه حبهم وتقديسهم عهدوا إليه بإدارة البلاد ووضعوا مقدرات المسلمين وبلادهم تحت تصرف هؤلاء فكان منهم القادة والسادة ومنهم الوزير والأمير وتسرب الغزاة إلى دماء هؤلاء وعقولهم وأفكارهم وأصبحوا يحاربون المسلمين بهم ومن خلفهم، وتكفل هؤلاء المستعمرون الجدد من أبناء البلاد بتنفيذ مخطط أسيادهم وآبائهم الروحيين والسهر على تعاليمهم وأفكارهم في بلاد المسلمين وأصبحوا وسيلة لكل شر يريد الأعداء إلحاقه بالمسلمين وبعد خروج الغزاة الظاهرين المكشوفين من أكثر بلاد المسلمين أصبح هؤلاء الغزاة المقنعون والمستترون من أبناء المسلمين هم العدو الأكبر لهذه الأمة لأنهم يقومون بدور العدو بمحاربة الإسلام وزيادة ويتفننون في ذلك بما لا يستطيع العدو الظاهر أن يفعله فجميع مظاهر الغزو الفكري تتمثل فيهم وجميع وسائله في أيديهم، بل حماة ذلك الغزو وحملته وطلائعه في بلاد المسلمين وعلى أيديهم يتوالى خروج المسلمين عن دينهم وارتداد أبنائهم، وتنشأ الأجيال الجديدة التي لا تعرف الإسلام إلا تاريخا مشوها. وينفذ مخطط الأعداء بحذافيره والذين درسوا في مدارس المبشرين والمستعمرين ونشأوا على مناهجهم، يضعون للمسلمين برامج ومناهج على غرار مدارس المبشرين والمستعمرين والحلقة متصلة هكذا. وانسلاخ المسلمين عن دينهم وخروجهم عن عقيدتهم وتنكرهم لحضارتهم مستمر هكذا أيضا.
وسائل الإعلام: ومما يلي برامج التعليم في كونها وسيلة من أكبر وسائل الغزو الفكري أجهزة الإعلام على اختلاف أنواعها من صحافة وإذاعة وتلفزة ودور عرض (السينما) . فإن الأيدي الخبيثة الأثيمة من أعداء الإسلام قد وضعت هذه الأجهزة في أيدي ربائبها وغلمانهما وصنايعها ممن لا يقلون حربا للإسلام عن أسيادهم، وهكذا أصبحت أجهزة الإعلام في معظم بلاد المسلمين كمخدر دائم يستعمل لصد الناس عن دينهم ولا دور لها إلا تحطيم المثل والقيم والأخلاق والتحريض المستمر ليلا نهارا على الفاحشة، وعلى مخالفة الآداب، وعلى ازدراء الفضائل والخروج على كل عرف صالح تعارفه الناس. والصنم الذي تعبده أجهزة الإعلام في معظم بلاد المسلمين وتدندن حوله وتسبحه وتقدسه، هو صنم الجنس فقلما تنشر كلمة أو تعرض صورة أو تذاع أغنية إلا وهي عن الجنس وللجنس وحول الجنس، والإلحاح المستمر حول هذا الموضوع في كل وقت ومناسبة وبكل وسيلة قد سد على الناس الطرق وألجأهم إلى الانغماس فيه إلجاء فإذا تناولت مجلة فصورها وأحاديثها تنطق بالفحشاء وتتحدث عن الحب وإذا فتحت المذياع فالأغاني الماجنة المائعة تصك آذانك بالعهر المذاب وتصلي للحب، وإذا نظرت إلى الرائي (التلفزيون) فهناك الحياة الحب والحب الحياة وكل شيء عن الحب شاخص أمامك وماثل بين يديك هذه هي الحقيقة والواقع بالنسبة لمعظم بلاد المسلمين التي وقعت فريسة في أيدي المرتدين من أبنائها والذين يستوردون المبادئ والعقائد والشرائع والتعليمات من الأعداء ثم ينفذونها بدقة وأمانة.
تنظيم القوى الكافرة والغازية والاهتمام بمراكز القوة: حتى يستمر تيار الغزو الفكري في اجتياحه لابد من الأخذ بالأسباب التي تبقي عليه وتضمن له النمو والازدهار وذلك باحتلال مراكز القوة كالجيش والحرص على أن لا تتسرب إليه روح مؤمنة والسهر الدائم على أن يكون حارسا أمينا للأفكار الدخيلة المناقضة للإسلام أو لثمار الغزو الفكري ثم تنظيم جنود الغزو عملائه في المنظمات حزبية تعمل على أسس مدروسة ومنسقة وتغزو جميع مرافق الدولة المهمة وتضمن بذلك الإشراف المباشر على سير الغزو وتطمئن على سلامة الخطة وحسن سير العمل وتنفذ تعاليمها بطريقة منظمة دقيقة يعرف فيها كل دوره في المعركة ومسؤوليته في العمل فلا تضيع التابعات ولا تفقد المسؤوليات.
هذه باختصار أهم مظاهر الغزو الفكري ووسائله، وقد عملت هذه الوسائل مجتمعة على إيجاد جيل الردة الذي قدِّر لنا أن نشاهده. أجل لقد تضافرت جهود هذه الوسائل على اقتلاع الإسلام من قلب أبنائه وعلى قتل روح الجد والرجولة والعمل في جموع شباب هذا الجيل، الذي يشكو من تمزق في ضميره واضطراب في تفكيره وصراع في نفسه وقلق قاتل في حياته كلها. شباب هذا الجيل تربة خصبة ألقيت فيها بذرة خبيثة فكان هذا النبات النكد وكان هذا الفصام وهذا الإزدواج في الشخصية بين الآثار الإسلامية في النفس وفي البيئة وبين بريق الغزو الجديد وزخارفه ومغرياته ومعطياته للنفس والهوى والشباب.
إن روح الحضارة الجديدة الخبيثة قد تلوثت فطرة الشباب المسلم وطمست معلمها النظيفة وانتزعت من قلبه مثله العليا وتعشقه للتسامي وأشواقه للخلود لتعطيه الإخلاد إلى الأرض والنزوع إلى سفاسف الأمور والركون إلى الشهوات والملذات والإنكباب على مراتع الرذيلة ومباذل الأخلاق، إن هذا الأفيون الذي جاء به الغزاة والمغلف بغلاف المدنية والحضارة جرد شبابنا من كل مقوماته وبنى له معبدا ضخما هائلا في تنميقه وتزيينه أمهر المهرة من الخبراء والفنيين ألا وهو معبد الجنس ووضع في داخله صنم يعبد وهو الحب، وراح يدعو إلى الدخول في الدين الجديد بكل ما أوتي من قوة وبكل ما يملك من وسائل جبارة حتى جعل الجنس كل شيء في حياة شباب هذا الجيل، هذا الشباب الذي يعاني ظمأ روحيا وسغبا نفسيا واختلالا كبيرا في السلوك بين متطلبات روحه وجسده. وبإفساد هذا الجيل على هذه الشاكلة ووضع المخطط لإفساد الأجيال المقبلة نال العدو منا كل ما يريد. وأكبر دليل على ذلك أن هذا الشباب المنخور المهزوز المتهالك على الملذات والأسير للشهوات حينما وضعه موجهوه وأسياده في مراكز القيادة والتوجيه عبث بمقدرات البلاد والعباد وأهلك الحرث والنسل، وأهدر الكرامات وانتهك الأعراض وصادر الحريات، وكان وجوده وصمة على الإنسانية، والحيف الذي تعرضت له البلاد على أيدي هؤلاء كان أعظم مما تعرضت له أيدي الصليبين والتتار.