كنّا في الماضي نفهم الحصانة الفكريّة على أنّها المحافظة على ما لدينا، وإغلاق كل المنافذ والأبواب التي قد يدخل منها ما يخالف أو يعكّر ما نعتقد أنّه أثمن شيء لدينا، وهو مبادئنا وأصولنا. وهذا في أساسه ليس خطأً؛ لكن كثيرًا ما كنّا نتوسّع في هذا الشأن حتى طال الحجْر والمنع النقد للفرعيّات والخلافيّات والسياسيّات والاجتهادات، وصار هناك في الساحة الإسلاميّة نوع من المزايدة في هذا الشأن، فكلّما مال المرء إلى التشدّد مع المخالفين دلّ ذلك على غيرته وصلابة دينه، وزاد -مع ذلك- الوثوق به والرّجوع إليه. إنّ الثوابت يجب أنْ تظلّ مصونة وواضحة، ويجب أنْ نتخذ منها محاور للتربية الاجتماعيّة. أمّا ما هو من قبيل الاجتهاد، وما هو من قبيل الخبرة البشريّة في تنظيم الحياة وإدارة المشكلات، وما هو من قبيل الأساليب والأدوات ... فينبغي أنْ يتعرض (باستمرار) للنّقد والمراجعة والغربلة؛ وإلا وجدنا أنفسنا ندفع نحو الهامش باستمرار. إني أتطلّع إلى اليوم الذي نلمس فيه إحساسًا جديدًا وقويًّا بقصور اجتهاداتنا ورؤانا وتنظيراتنا وتنظيماتنا ومبادراتنا... كما أتطلّع إلى اليوم الذي نجد فيه في تنظيم كلّ هيئة أو مؤسّسة شيئًا يتحدّث عن طريقة مراجعة تلك الهيئة، وطريقة نقدها وتطويرها وتنميتها... كما أتطلّع إلى اليوم الذي نتعوّد فيه - معاشر الكتّاب، ومعاشر الدّعاة، ومعاشر المصلحين، والتربويّين- نتعوّد فيه الإعلانَ عن النّقاط غير الواضحة وعن الأفكار غير النّاضجة وغير المختمرة، وعن الخطط غير المكتملة التي نقدمها ونضعها بين يدي الناس, وهذا ليس كرمًا ذاتيًّا نفخر به، وإنّما هو شيء تفرضه طبائع الأشياء، ويفرضه الحرص على مقاومة التكلّس والتحجّر ثم الانهيار. إنّ جزءًا أصيلًا في كل طرح، وفي كل نظام عظيم يكمن في قبوله للمراجعة، والنّقد والإنماء والتّغيير. وهذا أهم عامل من عوامل استمرار الحضارة الغربيّة طوال القرون الماضية على ما فيها من نواقص وانحرافات وأزَمَات...
إنّ من المهم أنْ ندرك أنّك حتى تحافظ على الأصول والثوابت والأساسيّات، فلا بدّ لك من حركة لا تهدأ في تطوير تنظيرك وطرحك الفلسفي، وفي تحسين الأطر والأساليب والأدوات التي تخدم تلك الأصول... إنّ كبار المفكرين المسلمين وكبار المصلحين والدّعاة لا يستطيعون حين يطرحون مشروعاتهم الإصلاحيّة، وحين يبلورون رؤاهم في التغيير والتجديد أنْ يقدموا شيئًا مكتملًا ونهائيًّا؛ وذلك لأنّ عقولنا لا تكتشف الحقائق والمتطلّبات والمشكلات، وما ينبغي أنْ نصير إليه إلا على وجه التدرّج. إنّ كلّ شكل، وكلّ فكرة، وكل وضعية تفتح لنا أفقًا جديدًا ما كان في الإمكان أنْ نراه قبل رُؤية سابقة؛ وهذا هو الأساس الذي يجعل التطوير والتجديد سنّة الحياة. إنْ أيّ جماعة، أو دولة، أو جهة لا تملك آليّات المراجعة ستجد نفسها في أوحال الجمود الذي لا يؤدي إلا إلى فقد الوزن والتحلل الذاتيّ. أضف إلى هذا أنّنا حين نفكر، وننظّر، ونخطّط، ونصمم، نقوم بذلك في جوّ من الطّلاقة الكاملة، وحين يدخل ذلك في مضمار التّطبيق والتنفيذ يكون الأمر مختلفًا جدًّا، حيث يفرض الواقع دائمًا حدودًا للعمل، فهناك الإمكانات المحدودة والنّظم والقوانين المقيّدة، وهناك الأعراف والتقاليد الاجتماعيّة الضاغطة، وهناك المنافسون والخصوم.... ومن هنا تنشأ مفارقة قد تكبر وقد تصغر بين النظريّة والتطبيق، وهذه المفارقة هي التي تمنح المشروعيّة الفكريّة والأخلاقيّة للنقد والمراجعة والمحاسبة.
إذا تأمّلنا في أحوالنا وأوضاعنا وجدنا حرصًا كبيرًا على أنْ تكون أشعّة النّقد موجّهة نحو الخارج، ولذلك أسبابه المفهومة؛ فنقد الآخرين سهل لأنّه لا يتطلّب منّا أيّ تغيير في أوضاعنا. ثمّ إنّنا كثيرًا ما نستخدمه من أجل إظهار فضائلنا وجعل أتباعنا يثقون بما لدينا. ثم إنّ النقد يستخدم أحيانًا جزءًا من حرب شعواء ضد الخصوم والمخالفين؛ مع أنّ أدبيّاتنا الإسلاميّة تحثّنا على أنْ نوجّه أكبر قدر من النّقد والفحص لأنفسنا وأوضاعنا، وأنْ ننشغل بعيوبنا عن عيوب الآخرين. من المهم في مسألة النّقد أنْ نحاول القيام بثلاثة أمور جوهريّة:
1-أنْ يكون النقد وواضحًا وأنْ نسمّي الأشياء بأسمائها في إطار من الأدب الإسلاميّ، وفي إطار الشعور بالمسؤوليّة الأخلاقيّة. إنّ لغة الغمغمة لن تؤدّي إلا إلى تأزّم الأمور. وإنّ كثيرين جدًّا لا يفهمون ماذا نريد، وبماذا نطالب، وماذا ننقد، وذلك بسبب ا لإبهام المعتمّد.
2-تحديد المسؤولين عن الأخطاء و التّقصيرات التي تقع هنا وهناك. في أحيان كثيرة نكون واضحين في بيان حجم المشكلة، لكنْ حين يصل الأمر إلى تحديد الأسباب والمتسبّبين نجد أنّنا غير قادرين على وضع النقاط على الحروف. وقد اكتشفنا مؤخرًا أسلوبًا خادعًا في هذا الشأن، وهو القيام بتوزيع المسؤوليّة على أكبر عدد ممكن من الناس، وكأنّنا نحاول أنْ نفرّق دم القتيل على القبائل كما كانت تحاول ذلك العرب قديمًا. ولهذا فإنّ كثيرًا من التقارير والتّوصيات وملفّات المراجعة والمحاسبة يجعلك تخرج بانطباع الخذلان والإحباط ؛ حيث ينتهي الأمر إلى ضرورة أنْ نقتنع بأنّ الكلّ مسؤول، وبأنّ الكلّ أيضًا غير مسؤول!. إذا كنّا غير قادرين على توضيح تقسيم المسؤوليّة عن أزماتنا على نحو جيّد فهذا يعني أنّنا لن نستطيع التخلّص من تلك الأزَمَات ولو بعد حين. ويعني أنّ إيجاد نظام للمحاسبة عادل ودقيق يشكل إحدى الأولويّات الحضاريّة لأمّة الإسلام.
3-تقديم البدائل وإغناء الساحة بالأفكار الإيجابيّة: إنّه لا يكفي أنْ نقول: إنّ في إدارة فلان للمؤسّسة الفلانيّة خللًا كبيرًا. كما لا يكفي أنْ نقول: إنّ هذه اللفظة في بيت الشّعر الفلاني قلقة ونسكت. لا بدّ من أنْ نحاول أنْ نقترح ما هو أجمل وأنفع وأفضل مما هو موجود، ويجب أنْ نمتلك القدرة على الشرّح، والتفسير، والتعليل، لما ننقده إذا أردنا للنّقد ألا يكون نوعًا من اللّغو، أو نوعًا من التكميل الشكليّ لحياة فقيرة في معانيها وإنجازاتها.
إنّ المراجعة عبارة عن مساهمات لإعادة التكيّف والتأقّلم، وإنّ الهيئات الكبرى والمؤسّسات الضخمة أحوج إلى التكيّف من أجل البقاء من غيرها. وإنّ التاريخ ليشهد على أنّ أنواعًا من الحيوانات، والأشجار، الضّخمة هلكت وانقرضت بسبب عدم قدرتها على التكيّف مع الأحوال المناخيّة الطارئة والجديدة.
نحن في ظروف جديدة كلّ الجِدّة، ولهذه الظّروف متطلبات لا عهد لنا بها، وإنّ من جملة تلك المتطلبات النّظر إلى حاجتنا إلى النّقد على أنّها لا تقل أهميّة عن حاجتنا إلى البناء، والنّظر إلى الأخذ والتمثّل على أنّه لا يقلّ أهميّة عن العطاء، والنظر إلى الانفتاح وخوض المعركة ببسالة وإقدام على أنّه لا يقلّ أهميّة عن اللجوء إلى الحصون والاختباء خلف الأسوار.
ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ
المناعة الفكرية (6)
د. عبدالكريم بكار 26/6/1425