سنين بعضها مع سباشي وبعضها مع الملك مسعود فلما دخل البرية نزل منزلا قليل الماء والحر شديد فلم يكف الماء للسلطان وحواشيه وكان داود في معظم السلجوقية بإزائه وغيره من عشيرته مقابل ساقة عساكره يتخطفون من تخلف منهم فاتفق لما يريده الله تعالى أن حواشي مسعود اختصموا هم وجمع من العسكر على الماء وازدحموا وجرى بينهم فتنة حتى صار بعضهم يقاتل بعضا وبعضهم نهب بعضا فاستوحش لذلك أمراء العسكر ومشى بعضم إلى بعض في التخلي عن مسعود فعلم داود ما هم فيه من الاختلاف فتقدم إليهم وحمل عليهم وهم في ذلك التنازع والقتال والنهب فولوا منهزمين لايلوي أول على آخر وكثر القتل فيهم والسلطان مسعود ووزيره يناديانهم ويأمرانهم بالعود فلا يرجعون وتمت الهزيمة على العسكر وثبت مسعود فقيل له ماتنتظر قد فارقك أصحابك وأنت في برية مهلكة وبين يديك عدو وخلفك عدو ولا وجه للمقام فمضى منهزما ومعه نحو مائة فارس فتبعه فارس من السلجوقية فعطف عليه مسعود فقتله وصار لا يقف على شيء حتى أتى غرشتان
وأما السلجوقية فإنهم غنموا من العسكر المسعودي ما لا يدخل تحت الإحصاء وقسمه داود على أصحابه وآثرهم على نفسه ونزل في سرادق مسعود وقعد على كرسيه ولم ينزل عسكره ثلاثة أيام على ظهور دوابهم لايفارقونها إلا لما لا بد لهم منه من مأكول ومشروب وغير ذلك خوفا من عود العسكر وأطلق الأسرى وأطلق خراج سنة كاملة وصار طغرلبك إلى نيسابور فملكها ودخل إليها آخر سنة إحدى وثلاثين وأول سنة اثنتين وثلاثين ونهب أصحابه الناس فقيل عنه أنه رأى لوزينجا فأكله وقال هذا قطماج طيب إلا أنه لا ثوم فيه ورأى الغز الكافور فظنوه ملحا وقالوا هذا ملح مرو نقل عنهم أشياء من هذا كثيرا
وكان العيارون قد عظم ضررهم واشتد أمرهم وزادت البلية بهم على أهل نيسابور فهم ينهبون الأموال ويقتلون النفوس ويرتكبون الفروج الحرام ويفعلون كل ما يريدونه لا يردعهم عن ذلك رادع ولا يزجرهم زاجرا فلما دخل طغرلبك البلد خافه العيارون وكفوا عما كانوا يفعلون وسكن الناس واطمأنوا واستولى السلجوقية حينئذ على جميع البلاد فسار بيغو إلى هراة فدخلها وسار داود إلى بلخ وبها التونتاق الحاجب واليا عليها لمسعود فأرسل إليه داود يطلب منه تسليم البلد إليه ويعرفه عجز صاحبه عن نصرته فسجن التونتاق الرسل فنازله داود وحصر المدينة فأرسل التونتاق إلى مسعود وهو بغزنة