{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ لَو يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِم ، مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الحقُّ . . الآية} .
وعن ابن عباس: المراد أبناء أخطب: حيى وأبو ياسر وأتباعهما ، فقيل إن عمارًا وحذيفة أتيا مدارس اليهود ، فأراد اليهود صرفهما عن دينهما ، فثبتا ، فنزلت الآية . ووجه الجمع بين ذلك أن المتكفل يقول ذلك فنحاص وزيد وحيى وأبو ياسر وغيرهم من اليهود في التبع لهم ، وأن ذلك بعد أحد واقع في مدارس من مدارسهم ، أتاهم عمار وحذيفة ، وقيل نزلت الآية تبعًا في المعنى من نهى الله D عن متابعة أقوال اليهود في راعنا وغيره ، وأنهم لا يودون أن ينزل على المؤمنين خير . ويجمع أيضًا أن نزولها تبعًا لذلك لا ينافى كونها نزلت فيما قيل لعمار وحذيفة ، وما قالا فإنهما فيهما وهي تابعة لما مر من النهي عن متابعة اليهود . والله أعلم .
ومعنى ( ود ) أحب وتمنى ، والكثير من أهل الكتاب فنحاص وزيد ابن قيس وحيى وأبو ياسر وغيرهم من أحبارهم ورؤسائهم ، وغيرهم . ولو مصدرية كما مر لا حرف تمنى ، وإنما أفاد التمنى لفظ ود ، ومعنى لو المصدرية الاستقبال ، كأن الناصبة للمضارع ، أي ود كثير من أهل الكتاب ردكم . وكفارًا: حال لازمة من كاف يردونهم مقارنة ، أي يردونكم من بعد إيمانكم إلى دينهم ، وأنتم كافرون حال حصول الارتداد ، وإن فسرنا الرد بشروعهم في الوسوسة والتمويه الذي تمنوه قبل تأثيره كانت الحال مقدرة ، والأولى أن يكون يردونكم بمعنى يكفرونكم بتشديد الفاء ، أي يدخلونكم في الكفر ، فتكون الحال مؤكدة ، وذلك تضمين أو يكون يردونكم بمعنى يصيرونكم ، فيكون كفارًا مفعولا ثانيا ، والآية صريحة في اعتراف كثير من أهل الكتاب بأنهم على كفر إذ اعترفوا بأن من يرتد إلى دينهم يكون كافرًا ، ويقوى هذا قوله تعالى: {حسدًا من عند أنفسهم} لأن من حسد الإنسان لا يود له الخير ، بل الشركا لكفر ، ولأن معنى {من عند أنفسهم} من عند أنفسهم الأمارة بالسوء ، أو من عند ذواتهم لخبثها باتباع الأمارة بالسوء ، يعني لا من جهة التدين والميل مع الحق ، لأن الله لم يأمرهم بذلك ، ومن بعد متعلق بيردونكم ، ومن عند متعلق برد ، ومن للابتداء ، فإن الود صادر من عند أنفسهم . قيل أو للسببية ، فإن المعنى بالإغواء والتزيين ، أو تتعلق بمحذوف نعت مصدر محذوف ، أي ود ثابتا من عند أنفسهم ، ويجوز أن يتعلق بحسد أو بمحذوف نعت ( لحسدا ) ، أي صادرًا من أنفسهم الأمارة بالسوء ، أو منبعثًا منها ، وحسدًا مفعول لأجله ناصبه ود ، أي وقعوا في ود ذلك لأجل الحسد ، وإذا لم تتعلق من عند بحسدا تعلق من بعد ما تبين بود لا بحسد إلا على طريق تقييد حسدا بالعندية ، ثم تقييد حسدًا والعندية معًا بالبعدية ، وما مصدرية ، والحق هو كون محمد رسولا من الله ، والقرآن كتاب من الله ، خوطب المكلفون كافة به لا العرب فقط ، والخطاب في يردونكم للمؤمنين ، وإنما تبين لهم الحق بالتوراة ، والمعجزات ذكر الله تعالى في التوراة اسمه ونعوته ، ولكن جحوده حسدا .