{إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ} : إذ بدل من إذ في قوله: {وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك} بدلًا مطابقًا، وما بينهما معترض، وفي هذا الوجه كثرة الفصل، أو بدل من «إذ» في قوله {إذ يختصمون} بدلًا مطابقًا بأن بعد زمان الاختصام، وزمان قول الملائكة، وما بينهما زمانًا واحدًا وقع الاختصام في أوله حال صغرها، ووقع قول الملائكة في آخره ولو طال ما كال بينهما، كما تقول: لقيته يوم الجمعة، وفارقنى فيه، تريد أنك لقيته ضحاها، وفارقك عشيتها، والقائل من الملائكة: جبريل، أو هو وغيره على حد ما مر.
{يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} : نعت كلمة، ومن للابتداء، لأن عيسى حادث بمجرد تعلق إرادة الله وجوده، أعنى أنه بلا أب، وهذا المذكور من الإرادة موجود في كل مخلوق، لكن ما ذكر معها من الخلق، من أم بلا أب مختص بعيسى عليه السلام، فكان إسناد حدوثه إلى الكلمة أكمل، فجعل عيسى بهذا الاعتبار، كأنه نفس الكلمة. كما تقول في المبالغة: زيد صوم وجود وعلم، وتسميته بالكلمة تسمية بالمسبب باسم السبب.
{اسْمُهُ} : أي اسم الكلمة وورد الضمير مذكرا لأن كلمة مراد به إنسان أي أن الله يبشرك بإنسان اسمه عيسى، وذلك الإنسان الملقب بكلمة هو عيسى عليه السلام.
{الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ} : كل من المسيح وعيسى لفظ أعجمى معرب، فالمسيح أصله بالعبرانية مشيخًا - بفتح الميم بعدها شين منقوطة مكسورة وبعد الشين ياء ساكنة مثناة تحتية وبعدها حاء مفتوحة مهملة وبعد الحاء ألف، عرب باسقاط الألف وإسقاط إعجام الشين وإلى فيه على طريق لمح الأصل، إذ معناه بالعبرانية: تبارك، وهو في الأصل وصف.
و {عيسى} معرب يشوع بفتح الهمزة وإسكان الياء وضم الشين المعجمة وإسكان الواو، عرب بتقديم العين مكسورة وتأخير الياء عنها ساكنة، وتأخير الهمزة ألفا عن الياء وإسقاط إعجام الشين، وإسقاط الواو، ز وأنكر الزمخشرى والقاضي ما ورد في ذلك من الأقوال الراجعة إلى أن اللفظين عربيان مع أنها أقوال للجمهور، فقيل: إنه سمى مسيحًا لأنه مسح بالبركة، فهو في الأصل فعيل بمعنى مفعول، والميم أصل والياء زائدة، وكذا في قول من قال: لأنه مسح من الأقدار والذنوب، وقول من قال: لأن جبريل عليه السلام مسحه بجناح حتى لا يكون للشيطان عليه سبيل، وقول بدهن حين ولد وهو دهن يمسح به الأنبياء دون غيرهم، ومن مسح به كان نبيًا، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: لأنه ما مسح ذا عاهة إلا شفاه الله تعالى، وعلى هذا فهو فعيل بمعنى فاعل، وقيل: لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقر بمكان، وعلى هذا فالميم زائدة والياء أصل، وزعم بعض: لأنه صادق، ولا يعلم في اللغة مسح أو ساح بمعنى صدق.