{ولاَ تُعجْبكَ أمْوالهم وأولادُهم} كرره مع ما بعده للتأكيد ، فإن النفوس شديدة الحب للمال والولد ، فأعيد ذلك زجرا لهم ، وأيضا مضى لذلك زمان ، فربما غفلوا فأعيد النهي ليتنبهوا أيضا للجديد من الطراوة ، ما ليس القديم أو نزل ذلك في شأن فرقة غير الفرقة التي نزل فيها ذلك ، أولا ، وكان ذلك بإلغاء التقدم قوله: {ولا ينفقون إلا وهم كارهون} وقد مر كلام فيه ، وهذا بالواو ، ولعدم التقدم ما يترتب هو عليه .
{إنَّما يُريدُ الله} تعليل جملي {أنْ يُعذِّبهُم بهَا} وأسقط في هذا التكرير لفظة لا قبل الأولاد ، ولفظة الحياة قبل الدنيا اختصار من حيث إنه تكرير ، وقيل: أسقط هنا لا تنبيها على أنه سواء الإعجاب بكثرة المال ، والإعجاب بكثرة الولد ، وأكثرية حبهم للولد الدال عليها زيادة لا هنالك وما دونها ، وأسقط اللام تنبيها على أنها هناك بمعنى أن الذكران هنا قبل ، وعلى أنه لا تعليل في حكم الله ، وأسقط الحياة تنبيها على أنها كل حياة ، حتى إن الأولى الاقتصار على لفظ الدنيا .
{وتَزْهقَ أنفُسُهم وهُم كافِرُون وإذا أنْزلتْ سُورةٌ} من سور القرآن فيها الأمر بالإيمان والجهاد ، ويجوز أن يراد بعض بعض السورة إطلاقا للكل ، وإرادة البعض ، أو حذفا للمضاف ، أي بعض سورة ، وقيل المراد سورة براءة على إرادة البعض ، أو تقدير مضاف وهو ضعيف ، لأن إذا للاستقبال ، وبعض براءة المأمور فيه بالإيمان والجهاد نزل قبل هذا ، إلا إن كان صاحب هذا القول ممن أجاز خروجها عن الاستقبال ، كما قال بعض: إنها في قوله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} {وإذا رأوا تجارة} للماضي وفي {والليل إذا يغشى} للحال أو اعتبر الحال الماضية السابقة على زمان نزول ذلك البعض ، حتى كأن وقت نزول هذه الآية متقدم على نزول ذلك البعض ، وهكذا في {إذا ما أتوك} {وإذا رأوا} {أنْ آمنُوا بالله وجاهِدُوا مَعَ رسُوله} أن مصدرة تقدر قبلها باء ، أو في بناء على جواز دخول الجار على الطلب ، ولا يجوز ذلك عندي ، بل هي مفسرة ، لأن إنزال السورة إيحاءها ، والإيحاء فيه معنى القول دون حروفه .
{اسْتأذنَكَ} القعود عن الغزو {أولُو الطَّوْل} السعة في المال والرياسة ، كالجد بن قيس ، وعبد الله بن أيوب ، ومعتب بن قريش {منْهُم} أي من المنافقين والخطاب في آمنوا وجاهدوا للمنافقين ، أي أخلص الإيمان ، وقيل للمؤمنين ، وعليه فالمراد دوموا على الإيمان والجهاد ، ويدخل المنافقون بالتبع .
والذي عندي أن الخطاب للناس ، والمراد الدوام ، فالمؤمنون مأمورون بالدوام ، والمنافقون مأمورون بالدوام على ما لم يكونوا عليه ، كما تقول لمن يقرأ سورة الكوثر مثلا: دم على قراءتها ، وقدم الإيمان لأنه الباعث على الجهاد ، ولأنه إنما ينفع للجهاد معه ، وخص أولى الطول بالذكر لأنهم يحتاجون إلى الاستئذان دون الفقراء الذين لا يقدرون على الجهاد ، ولأن الذم ألزم لهم لكونهم قادرين على الجهاد والسفر .