{ولِكل وجِْهةٌ} : أي ولكل أمة أو فريق قضى الله أن تخالف الأخرى قبلة تتوجه إليها في صلاتها ونحوها ، وأنتم يا معشر اليهود والنصارى ، الذين أدركتم بعثة محمد رسول الله ، صلى الله عليهِ وسلم ، من أمته ، فالواجب عليكم استقبال الكعبة ، فإن كل من أدركته بعثته ، A ، فهو من أمته ، كما أن قبلة اليهود قبلها صخرة بيت المقدس ، وقبلة النصارى مشرق الشمس ، وقبلة الأنبياء من قبل ذلك الكعبة ، وكذلك أقوامهم فيعدون أمة واحدة ، تقابل الكعبة ، ولو قبل بناء إبراهيم لها ، لأن قبلة واحدة جمعتهم واليهود أمة قبلتهم الصخرة ، والنصارى أمة قبلتهم المشرق ، ومن أدرك بعثة سيدنا محمد ، A ، ومن الناس كلهم أمة قبلتهم الكعبة ، وافقوا أو عاندوا ، ولك أن تقول: لكل أمة نبي قبلة وافقت قبلة غيرها أو خالفت ، وقيل المعنى ولكل أهل جهة من الآفاق من المسلمين وجهة من الكعبة يصلون إليها ، وظهر لي وجه آخر أن المعنى لكل أهل جهة أسلموا أو كفروا وجهة من الكعبة يجب عليهم استقبالها ، فإن الواجب على جميع الكفار أن يؤمنوا به A بعد البعثة ، ويستقبل الكعبة ، والوجه الأول ما حام أحد حوله غيرى . والثالث مأخوذ من القول قبله ، وفيه الوجهة المنهاج والشرع ، قال جل جلاله: {لِكلٍّ جَعلْنا مِنْكم شِرعةً ومِنْهاجًا} فالمعنى لكل أمة دين ، ومن توافقت من الأمم فهي أمة واحدة ، باعتبار الوفاق ، فالواجب على من أدركته البعثة من اليهود والنصارى وغيرهم أن يكونوا على دين الإسلام ، ومنه استقبال الكعبة ، أو لكل أمة دين وافق دين الأخرى أو خالفه ، والجمهور على تفسير الوجهة بالقبلة وهو الصحيح المناسب لما بعده وما قبله ، فإن بعد ذلك {ومِنْ حيث خَرجْتَ فَولِّ وَجْهك شطر المسجد الحرام} ، وهو قول مجاهد كابن عباس ، وعليه فالوجهة فعلة بمعنى مفعول ، أي جهة متوجه إليها ، ولك وجه آخر هو أن الوجهة فعلة للهيئة كالجلسة ( بالكسر ) أي حالة يتوجه بها إلى الكعبة ، ويدل لمذهب الجمهور قراءة أبي ولكل قبلة .
{هُوَ مُولِّيها} : لفظ هو عائد إلى الفريق المحذوف بعد كل المعوض عنه تنوين كل ، باعتبار لفظه ، أو باعتبار آحاده ، أو إلى الأمة باعتبار آحادها ، أو إلى لفظ كل ، و ( ها ) مفعول ثان ، والأول محذوف مؤخر ، أي هو موليها نفسه ، وهو مروى عن ابن عباس وغيره ، أو هو موليها نفسه ، وإنما قلت الأول النفس أو الوجه ، لأنهُ فاعل معنى ، لأنه قال ، و ( ها ) عائدة للوجهة وهي متلوة ، ويجوز عود لفظ هو إلى الله ، جل وعلا ، أي الله موليها كل أمة ، أو كل فريق أو كل واحد ، فالمحذوف ثان أيضا ، وجملة هو موليها نعت وجهة ، وقرئ ولكل وجهة بإضافة كل إلى وجهة ، فلكل وجهة بالإضافة خبر ، والمبتدأ محذوف أي لكل جهة أهل أو ناس أو أمة أو فريق أو نحو ذلك .