{قَالَ} فتاه {أَرَأَيْتَ} انتبه أو أخبرنى ما أصابنى {إِذْ أَوَيْنَا} ملنا . {إلَى الصَّخْرَةِ} وضمنا أنفسنا إليهما وهي صخرة المجمع التي رقدا عندها . قيل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت كما رأيت وإذ متعلقة بمحذوف أي ما أصابنى إذ أوينا إليها .
{فَإِنِّى} الفاء التعليل أو رابطة لمحذوف . قلت: ما بالك فإني . {نَسِيتُ الحوتَ} عند الصخرة أي فقدنه أي فقد رأيت انقلابه حيا ورجوعه في البحر فنسيت أن أذكر ذلك لك قيل: لما رأى ذلك قام ليخبر موسى فنسى حتى سار إلى ظهر غد وصليا الظهر .
{وَمَا أَنْسَانِيهُ} أي الحوت تعدى نسى إلى الاثنين بالهمزة أي ما صيرنى ناسيا إياه {إلاّ الشَّيْطَانُ} ليوسوس لي وليس تصيره ناسيا خلق النسيان فيه؛ فإن الخالق الله لا سواه ولكن المعنى: ما نسيت في نسيانى إياه إلا الشيطان بوساوسه .
{أَنْ أَذْكُرَهُ} أتفكر فيه فأجده مفقودًا فأخبر موسى بفقده لأن فقده دليل المطلوب أو أن أذكر أمره لموسى وهو انقلابه حيا إلى البحر . وقد قرئ أن أذكركه .
وقرأ ابن مسعود: أن أذكره له وأن مصدرية والمصدر بدل اشتمال من هاء الإنسانية .
وقرأ حفص: وما أنسانيه بضم الهاء كما قئ بضمها في سورة الفتح في قوله تعالى: {عليه الله} فإنه ضم هاء عليه .
ووجه قوله: أرأيت أنه لما طلب موسى الحوت ليتغذى ذكر يوشع ما رأى من أمر الحوت أو ذكر نسيانه إلى تلك الغاية وهي ظهر الغد أو غدوه فدهش فطفق بسأل موسى: ما أصابنى حتى نسيت ذلك ثم رجع على نفسه فقال: ما أنسانيه إلا الشيطان .
وإن قتل: كيف نسى الأمر العظيم من انقلاب حوت مشوى مأكول نصفه مضى عليه زمان مجعول في المكتل حتى مضت تلك المدة مع ما جعل لهما من أمره أمارة على المطلوب الذي سافرا من أجله؟
قلت: اعتاد مشاهدة أمثال ذلك من العجائب وأكبر منها عند موسى وأستأنس بهن فأعانهُ ذلك على قلة الاهتمام فتأثرت فيه وساوس الشيطان فاعتذر بإنساء الشيطان إياء أو لما رأى ذلك استغرق في التفكر في كمال قدرة الله سبحانه وتعالى .
وعلى هذا الوجه الأخير إنما نسب الإنسان إلى الشيطان هضما لنفسه بأنه لا يقوى على الشيطان في الجملة أو لأن عدم جمعه بين التفكر في كمال قدرة الله جل وعلا وذكر أمر الحوت معدود من النقصان البشرى .
{وَاتَّخَذَ} الحوت . {سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَجَبًا} مثل {واتخذ سبيله في البحر سربا} أي اتخذا لحوت سبيله في البحر سبيلا يحار فيه الناظر حتى إن ذلك السبيل نفس العجب مبالغة أو عجبا بمعنى معجوب به أو ذا عجب أي يتعجب منه الناظر وذلك من كلام الله سبحانه وتعالى معترض بين كلام يوشع وكلام موسى قيل: كان المسلك للحوت سربا ولموسى عجبا .