{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} : نزل حكمها ولفظها أو حكمها فقط أو لفظها فقط ، فإن من معاني النسخ الإزالة ، والآية من هذا المعنى كنسخ الليل والنهار والنهار والليل ، والظل والشمس والشمس الظل ، والشيب الشباب ، فبعض القرآن منسوخ وأكثره غير منسوخ ، ويطلق مع بقاء الناسخ في موضع المنسوخ وبدون بقائه كنسخ الأثر بالريح ، ومواضع في القرآن مثل نسخ الناسخ ، ويطلق النسخ أيضًا على تحويل الشيء من موضع لآخر ، تقول: نسخت تراب الدار ، أي نقلته إلى المزبلة ، وفي هذا المعنى إزالة لكن من موضع لآخر بلا إفناء ، بخلاف الإزالة في المعنى الأول فإنها بمعنى الإفناء ، وليس شيء من القرآن بهذا المعنى منسوخا ، ويطلق النسخ أيضا على النقل مع الإبقاء لأصل المنقول منه ، فالقرآن على هذا كله منسوخ ، لأنه كله منسوخ من اللوح المحفوظ ، ولا يطلق عليه هذا النسخ إلا ببيان أنهُ من اللوح المحفوظ ، وهو في المصاحف مشابه به لا في اللوح المحفوظ لفظا وخطا .
وقد ذكر منه في القرآن {إِنّا كُنّا نَستَنسِخُ ما كُنتُم تَعمَلُونَ} وقال مكى: إنه لا يصح هذا الوجه في القرآن ، لأن الناسخ لا يأتي بلفظ المنسوخ ، بل بلفظ آخر ويرده قوله تعالى: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلى حكيم} ، وقوله: {في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون} ، وأصل النسخ في اللغة هو المعنى الأول ، وحقيقة النسخ الشرعي بيان انتهاء التعبد بقراءة الآية ، وبالحكم المستفاد منهما أو بهما جميعا ، وقال ابن الحاجب ، رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه ، ويخالف التخصيص بأن التخصيص يقع بشيء ثالث بين شيئين ، والنسخ يقع بشيء على شيء أو بلا شيء ، وبأن التخصيص يقع في غير النص وفيه ، والنسخ في النص وبأن التخصيص يفيد أن العموم في المخصص بفتح الصاد انتفاء إرادته من أول مرة ، والمنسوخ مراد ظاهره ومعناه إلى وقعت علمه الله علما أزليا ينتهى فيه .
واختلفوا هل النسخ رفع لتعلق الحكم بالمكلف أو بيان الانتهاء أمده؟ والمختار الأول لشموله قبل التمكن من الفعل ، ولا يشمله التعريف الثاني وذلك كنسخ ما زاد على خمس صلوات من الخمسين ليلة الإسراء ، فإنه قبل التمكن وقيل دخول الوقت ، وقد يبحث بأن التعريف الثاني شامل له أيضا لأنه لابد من وجود أصل التكليف ، وإنما يتحقق بالتعلق وبيان انتهاء التعلق يصدق بانتهائه بعد التمكن من الفعل وقبله ، وإذا قلنا المراد بالانتهاء انتهاء أمد المكلف به لم يرد هذا البحث ، وذكر الغزالي في المصطفى والباقلانى قبله: أن الفعل إذا أمر به في وقت واحد يجوز نسخه قبل التمكن من الامتثال وقبل وقته فلا يكون بيانا لانقطعا مدة العبادة ، فليس النسخ عبارة عن انتهاء مدة العبادة ، لأن بيان انتهائها إنما يكون بعد حصول المدة ، فقبل حصولها يستحيل بيان انتهائها ، والمراد برفع الحكم رفع الحكم الشرعي بخطاب ، فخرج بالشرعي رفع الإباحة الأصلية وهي براءة الذمة المأخوذة من العقل ، لكن هذا على قول المعتزلة بأن ما يحسنه العقل فهو حسن ، وما يقبحه فقبيح ، وخرج الرفع بما يغذر به كالموت والجنون والنسيان والغفلة والغلط ، وقيل بتكليف الغافل ، وصححوا هذا القول .