{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} : خبر إن محذوف تقديره لا خوف عليهم ولاهم يحزنون دل عليه ما ذكر بقوله:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راضى والرأى مختلف
أي نحن راضون بما عندنا .
{وَالَّذِينَ هَادُوا} : مبتدأ مرفوع المحل .
{وَالصَابِئُونَ} : معطوف على الذين هادوا ، فهو مرفوع معطوف على مرفوع المحل .
{وَالنَّصَارَى} : معطوف على الذين هادوا .
{مَن آمَنَ} : مبتدأ ثان شرطية .
{باللهَ وَاليَومِ الأَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيِّهم وَلا هُم يَحْزَنُونَ} : جواب من الشرطية وخبرها شرطها أو جوابها ، أو كلاهما ، وهذا المبتدأ وخبره خبر المبتدأ ، وهو الذين هادوا ، والرابط محذوف أي من آمن منهم ، أو من بدل ، والرابط مقدر كذلك ، وجملة لا خوف عليهم خبر الذين هادوا ، قرن بالفاء لشبهه باسم الشرط ، أو من بدل من اسم إن ، ولا خوف عليهم خبرها قرن بالفاء كذلك ، أو من متبدأ ، ولا خوف عليهم خبره ، والجملة خبر إن ، والرابط أيضا محذوف ، والمبتدأ والذين هادوا في هذين معطوف على اسم إن في محل نصب ، والصابئون مبتدأ خبره محذوف ، أي كذلك ، والجملة في نية التأخير ، وهذا مذهب سيبويه ، وأنشد سيبويه شاهدًا على ذلك قول الشاعر:
والا فاعملوا أنا وأنتم ... بغات ما بقينا في شقاق
أي انا بغاة وأنتم كذلك ، وقدم على الخبر معترضًا ليفيد التنبيه من أول على أن الصابئين مع ضلالهم البليغ بالنسبة الى اليهود والنصارى ، حتى أنهم سموا صابئين ، لأنهم مالوا عن الأديان كلها لو آمنوا وعملوا الصالحات لأثابهم الله جلال وعلا ، ولو نصبه لم يفد أنهم أبعد عن الثواب من اليهود والنصارى ، لما رفع أفاد الرفع أنهم ملحقون في الثواب ، اذ قدرنا والصابئون كذلك .
ويجوز عطف النصارى على الصابئون فهو مرفوع ، ويجوز جعل الذين هادوا متبدأ والصابئون معطوف عليه ، وكذا النصارى ، واختار ابن عصفور وابن مالك ما تقدم من حذف خبر إن لسلامته من التقديم والتأخير ، وأما الحذف لدليل فكثير .
وزعم بعض أن الصابئون بالواو منصوب ، وانه لغة تلزم الواو الأحوال كلزوم التثنية الألف في لغة ، وقيل: هو منصوب بالفتح على النون ، وانه لغة تلزم الواو ، والاعراب على النون ، وقيل: إن بمعنى نعم فالذين آمنوا وما بعده مرفوعات ، وقريء والصابئين بالياء بعد الهمزة ، وقريء والصابئون بالواو بعد الهمزة ، والصابيون بالواو بعد الياء المخففة من الهمزة ، والمراد بآمنوا الأول الايمان الحقيقى وهو المتبوع بالعمل الصالح ، واجتناب المحرمات ، أو يقدر وعملوا الصالحات ، والمراد بأن الثاني ايمان اليهود ، والنصارى والصابئين ، فانه لاحظ لهم في الجنة إن لم يؤمنوا ويعملوا صالحًا ، ومن الصالح العمل بما في القرآن ، وان أريد من قبل القرآن فالمراد العمل بما في كتبهم المنزلة ، ففى وجه الابدال يكون من الذين هادوا والنصارى ، وان أريد بالايمان الثاني الدوام عليه المشعر باشتراط دخول اليهود والنصارى في أصل الايمان حتى يشترط الدوام عليه كان الابدال من الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ، وتقدم الكلام على الآية في البقرة ، ويجوز أن يراد بالايمان الأول مطلق الايمان ، وخرج الثاني ايمان المنافقين لأجل ما بعده .