{إذْ} بدل ثان من إذ في قوله: {إذ يعدكم} أو بدل من إذ المبدلة من هذه ، وإنما صح الإبدال وهو إبدال الشيء من الشيء في الموضعين ، مع أن كلا من وقت الوعد ، ووقت الاستغاثة ، ووقت الإغشاء غير الآخر لاعتبار مجموعها وقتا واحدا واسعا ، وإن اعتبرت المغابرة فالإبدال إبدال إضراب انتقالى ، أو وقت الوعد ، ووقت الاستغاثة واحد ، أو وإذ هذه مفعول لا ذكروا محذوفا مستأنفا ، أو متعلق بالنصر أو باستقرار قوله: {من عند الله} أو به لنيابته عن الاستقرار ، أو بجعل أو بتطمئن أو بحكيم .
{يغَشِّيكُم النُّعاسَ} في يغشى ضمير الله ، وهو مضارع أغشى تعدى لاثنين بالهمزة والكاف مفعول ثان ، والنعاس مفعول أول ، لأنه هو المجعول غاشيا ، وذلك قراءة نافع والأعرج ، وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر والكسائي بفتح الغين وتشديد الشين ، وبه قرأ عروة ابن الزبير ، والحسن ، وأبي رجاء ، وعكرمة وغيرهم ، والإعراب مثله في ذلك ، وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو: إذ يغشاكم النعاس بفتح الياء والشين ورفع النعاس ، وبه قرأ مجاهد ، وابن محيصن ، وأهل مكة وإغشاءهم النعاس إدخاله عليهم وتغطيتهم به ، وذالك استعارة ، والنعاس النوم الخفيف يصيب الإنسان وهو قائم أو ماش .
{أمنةً منهُ} أمنة مفعول لأجله بمعنى أمنا منه ، أي من الله نعت أمنة ، وفاعل الأمن الله ، وأما في قراءة ابن كثير وفاعلها النعاس على الإسناد المجازى وعليها فالهاء في منه عائدة للنعاس ، والأمنة من أمن المتعدى في ذلك ، وإن جعل من اللازم كان فاعله المسلمون ، وفاعل الإغشاء أو التغشية الله ، وفاعل الغشى في قراءة ابن كثير النعاس ، فلا يكون أمنة مفعولا لأجله على المشهور لاختلاف الفاعل ، وقد يجعل فاعل الأمنة النعاس على سبيل الإسناد المجازى أيضا ، فيتحد الفاعل في قراءة ابن كثير ، أو على أن من حقه أن لا يغشاهم ، فلما غشيهم صار كأنه حصلت له أمنة من الله ، لولاها لم يغشيهم ، ويجوز تضمين يغشيكم ويغشينكم ويغشاكم معنى تنعسون ، والأمنة فعل لفاعل ذلك ، وهو مصدر أمن ، يقال: أمن أخوك ، وأمنت أخاك أمنا وأمانا وأمنة ، وقرأ ابن محيصن أمنة بإسكان الميم .
وعن ابن مسعود ، وابن عباس: النعاس في القتال أمنة من الله ، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان ، وهذه نعمة عظيمة اشتد حالهم بالخوف والعطش ، فألقى عليهم النوم فاستيقظوا ، وقد خف عنهم ذلك ، ولما ناموا ولم يصبهم العدو في نومهم ، كان ذلك قوة فيهم واجتراء عليه ، وكان خفيفا بحيث لو قصدهم العدو لقاموا به وعرفوه ، وهو في ذلك الوقت خارق للعادة ، ومعجزة له A ، كما أن إسماع أهل القليب فيما قيل كذلك ، روى أنهم نعسوا حتى وقع السلاح من أيديهم .
{ويُنزِّلُ عَليْكم مِن السَّماء ماءً ليُطهِّركُم بهِ} من الحدث والجنابة ، وقرئ: ينزل بإسكان النون بعد ضم الياء ، وقرأ الشعبى ما ليطهركم ، قال أبو الفتح بن جنى: ما اسم موصل أي الذي للتطهير وهو الماء وهو ضعيف ، وقرأ ابن المسيب بسكون الطاء {ويُذْهِبَ عنكُمْ} وقرأ عيسى بن عمرو بإسكان الباء تخفيفا {رِجْز الشَّيطانِ} وهو الجنابة لأنها من تخييله أو وسوسته وتخويفه إياهم من العطش ، أو جميع ذلك ، والرجز العذاب ، وذلك عذاب منه لهم ، وقرأ ابن محيصن بضم الراء ، وقرأ ابن العالية بالسين .