{واكْتُبْ لنَا} أي أثبت أو أقسم أو قدر {لنَا في هَذِه الدُّنيا} أي الأوقات التي هي أدنى وأقرب للفوت ، أو في هذه الدار التي هي كذلك ، فلفظ الدنيا باق على الوصفية ، فهو اسم جنس مقرون بأل المعرفة نعت أو بيان أو بدل ، وإن جعل علما لتلك الأوقات أو الدار تعين أن يكون بيانا او بدلا ، وأل فيه للمح الأصل ، إذ لا مانع على الصحيح من قولك: أعجبنى هذا زيد ، فإبدال زيد أو عطفه بيانا {حَسَنةً} من صحة جسم ، ونصر وعافية ، وسعة رزق ، وتوفيق للأعمال الصالحة {وفي الآخِرةِ} الجنة وادعى بعضهم أن المعنى اكتب لنا في الدنيا حسننة هي ثواب الأعمال ، وفي الآخرة مغفرة لذنوبنا .
{إنَّاهُدْنا إليكَ} تبنا إليك ورجعنا ، يقال: هاد يهود أي رجع يرجع ، أو هو مبنى للمفعول من هاده يهيده أي حركة وأماله ، والمحرك والميل هو الله أو التوراة ، وذلك على لغة من يقول في البناء للمفعول قول ونوع ، وقرأ أبو وجزة السعدى بكسر الهاء على البناء للفاعل والمفعول محذوف ، أي هدنا إليك أنفسنا ، أي حركناها وأملناها ، أو للمفعول على اللغة الفصحى في بناء قال وباع للمفعول بأن يقال: قيل وبيع وهيد ، لكن حذف حرف العلة للساكن بعده ، ومن الأول قول بعضهم:
أيا ركب الذنب هدهد ... واسجد كأنك هدهد
بضم الهاء ولو كسرت لزم في السجع مثل سناد ، والتوجيه لي الشعر أي تب ، قيل: سميت اليهود لقوله: {إنا هدنا إليك} فهو اسم مدح ، ولما نسخت شريعتهم ولم يقلعوا عنها صار لا أقبح للإنسان من أن تقول له أنت يهودى ، وقيل: لتهودهم في القراءة ، فمن كان مسلما فليكن عند القراءة ولا يتشبه بهم .
{قالَ} الله {عَذابِى} وسكن الياء غير نافع {أصِيبُ به مَنْ أشاءُ} تعذيبه من خلقى بالحكمة عدلا جزاء على فعله كالرجفة ، والكل ملكى ، فلا اعتراض لأحد علىَّ وقرأ الحسن ، وطاووس ، وعمرو بن فايد: من أساء بالسين المهملة وفتح الهمزة بعد الألف من الإساءة ، ولم يتعلق بها خصوصا إنفاذ الوعيد ، بل هي كغيرها في إنفاذ الوعيد ولا بد ، ولم يتعلق بها أن المرء خلق فعله ، ولا مساس لها بذلك ، والظاهر أن القارئ بها لم يقصد بها مجرد ذلك .
وزعم قومنا أن القريءة يتعلق بها ذلك وهم مصيبون في قولهم أن المرء غير خالق لأفعاله فنهوا عنها ، وقالوا: إنها معتزلية ، حتى قال الإمام أبو عمرو الدانى: إن هذه القراءة لا تصح عن الحسن وطاووس ، وإن عمرو بن فايد رجل سوء ، وقرأ بها سفيان بن عيينة واستحسنها فقام إليه عبد الرحمن المقرى ، وصاح به وأسمعه فقال: لم أدر ما يقول أهل البدع ، يعني المعتزلة .