{أولئكَ الذينَ اشْتروُا الضَّلالةَ بالهُدى} : أخذوا الكفر والمعصية بدلا من الإيمان والطاعة في الدنيا .
{والعَذَابَ بالمغْفِرةِ} : أخذوا العذاب بدلا من المغفرة التي لهم لو تابوا ، ويجوز أن يكون المراد بالضلالة كتمان صفات محمد ، صلى الله عليهِ وسلم والحق ، وبالهدى إظهار ذلك ، وفي الكتم العذاب ، وفي الإظهار المغفرة لو أظهروا .
{فَما أصْبَرَهُم علَى النَّار} : تعجيب من الله للمؤمنين باقترافهم ما يوجب النار من غير مبالاة ، كأنهم يطيقونها مع أنهُ لا طاقة لهم ولا صبر عليها ولو عشر لحظة أو أقل ، لما كانت أعمالهم أعمال ما يصبر على النار لو كان شيء بعمل المعصية ويصبر على النار ، شبه عملهم تلك الأعمال الموحية للنار بالصبر على النار ، كأنها توجبها عن قريب قطعًا وحزما ، فدعا المؤمنين أن يتعجبوا من ذلك الصبر الذي هو ارتكاب الأعمال التي هي كالنار ، ويجوز أن يشبه العمل السئ بالنار ، لأنه في الحقيقة مؤلم فظيع ضار كالسم ، كما أن النار تضر ولو زينة الشيطان ، وذلك لأن فيه غضب السلطان المنعم المحبوب في القلوب وقطيعته وهو الله ، جل وعلا ، ويجوز أن يكون ذلك كناية عن طول مكثهم في النار ، وهو مكث دائم من غير إرادة للمعنى الحقيقى الذي هو شدة الصبر على النارن إذ لا يمكن الصبر عليها ، ولو صبروا قليلا ، ويجوز أن يشبه طول مكثهم الدائم فيها بطول حبس النفس على الشيء . والوجه الأول أوجه ، وهو قول الربيع وقتادة والحسن وابن جبير ، وقد علمت أن ما تعجبية وهي مبتدأ ، فجملة أصبرهم خبر ، وقال معمر بن المثنى إنها استفهامية ، أي أي شيء صبرهم على النار ، والاستفهام أيضا تعجبنى أو توبيخى ، والجملة أيضًا خبر أو نكرة تامة مخصوصة بالمعنى ، والجملة أيضا خبر ، أي شيء عظيم أصبرهم على النار ، أو نكرة موصوفة بالجملة بعدها والخبر محذوف ، أي شيء صبرهم على النار شيء عظيم أو معرفة موصولة . والخبر محذوف ، أي الذي أصبرهم على النار بشيء عظيم ، أو نافية ، أي ما جعلهم يصبرون على النار ، والمشهور أنها تعجبية ، والمعنى على التعجيب كما تقول متعجبا لمن تعرض لما يوجب غضب السلطان: ما أصبرك على القيد والسجن ، تريد أنهُ لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب ، روى الكسائي أنه قال: قال لي قاضي اليمن بمكة: اختصم إلىَّ رجلان من العرب ، فحلف أحدهما على حق صاحبه ، فقال له: ما أصبرك على الله ، أي على عذاب الله .