{وَيَمُدُّهُمْ} : يزيدهم كما يقال مد الجيش وأمده إذا زاده ما يقوى به من ناس أو طعام أو سلاح ، وم الدواة وأمدها غذا زادها ما تصلح به من ماء أو مداد ، ومد السراج وأمده زاده زيتًا ، ومد الأرض وأمدها زادها سمادًا أو خلطها به من قبل أن يكون فيها شيء منه ، وأمده الشطيان ومده في الغى إذا زاد في وسوسته ، كل ذلك الهمزة وتركها بمعنى واحد ، وأكثر ما يأتي مد بلا همزة في الشر ، وأمد بهمزة في الخير والمعنى يزيدهم .
{فَى طُغْيَانِهِمْ} : ما يوقى به طغيانهم ، وليس من المدد الذي هو الزيادة في العمر باللام ، يقال مد له في عمره لا بالهمزة ، والذي في الآية قد يقال في الهمزة كما أقر ابن كثير وابن محيصن {وَيَمُدُّهُمْ فَى طُغْيَانِهِمْ} بضم الياء وكسر الميم ، وقرأ نافع وإخوانهم يمدونهم بضم الياء وكسر الميم ، وهما في القراءتين من أمد بالهمزة وهي لموافقة المجرد ، وإن قلت: إذا كان من الزيادة فأين مفعوله الآخر؟ قلت محذوف تقديره ما يقوى به طغيانهم ، وإن قلت كيف ساغ أن يقول زادهم الله ما يقوى به طغيانهم؟ قلت: معناه خذلهم ولم يلطق بهم . وهذه قاعده أصحابنا رحمهم الله في التفسير ، وكذا الشافعية والمالكية والحنفية والحنبلية خلافًا للمعتزلة ، فإنهم لما تذعر عليهم إجراء الكلام على ظاهره كما تعذر علينا ، لأن الزيادة في الطغيان تقوية للكفر بحسب ظاهر الكلام ، تأولوه بغير الوجه الذي تأولناه ، وهو أنه لما كان خذلانه إياهم ومنع الإلطاف عنهم سببًا في كفرهم وإصرارهم ، وفي زيادة قلوبهم رينًا وظلمة ، كما كان توفيقه المؤمنين سببًا في الإسلام وثباته ، وفي زيادة قلوبهم انشراحًا ونورًا ، أسند الزيادة في الطغيان إلى نفسه ، إذ كان مسبب ذلك السبب ، بكسر الباء الأولى من مسبب .
والحاصل أنه لما كان تزايد طغيانهم مسببًا ، بفتح الباء الأولى ، خذلان لهم أسند الزيادة إلى نفسه ولا جبر هناك ، أو لما كان إغواء الشيطان إياهم إنما هو بإقدار الله - D - إياه عليه ، أسند الزيادة في الطغيان إلى نفسه ، وعلى كل حال فإنما أضاف الطغيان إليهم ، ولم يأت به مجردًا عن الإضافة ، لئلا يتوهم أن إسناد الزيادة إلى الله تعالى على الحقيقة ، وإما أن يضاف الطغيان إلى الله ونحوه من الأفعال فحرام ، لأن ذلك مخلوق له لا فعل له ، إنما هو فعل الناس ، ويدل على أن إضافة الطغيان إليهم لما ذكر أنه لما أسند الإمداد إلى الشيطان في سورة الأعراف لم يحتج الكلام إلى الإضافة إليهم ، إذ قال يمدونهم في الغى ، ولم يقل في غيهم ، وقال مجاهد: المعنى يملى لهم في طغيانهم ، فأصل الكلام ويمد لهم حذفت اللام وانتصب محل الضمير على نزع الخافض ، لأنه على تفسير مجاهد من المد في العمر ، والمد فيه يتعدى باللام كما مر ، وأغنى قوله: {فَى طُغْيَانِهِمْ} عن أن يقال في أعمارهم ، لأن المد في أعمار المخذولين بسبب الطغيان ، وإنما مد في أعمارهم ليطيعوا وينتهوا ، وما ازدادوا إلا طغيانًا ، توصلوا إلا الطغيان بما خلق وسيلة لهم إلى الشرك ، وعلى الأوجه المذكورة يتعلق في طيغانهم بمد ويجوز تعليقه بقوله:
{يَعْمَهُونَ} : على وجه آخر وهو أن المعنى يمهل لهم في أعمارهم أو يزيدهم نعمًا ليؤمنوا ويشكروا ، وهم في ذلك يعمهون في طغيانهم ، وعلى كل وجه فيعمهون حال ، والطغيان ، بضم الطاء ، في قراءة السبعة ، والجمهور ، وبكسرها في قراءة زيد بن على لغتان كلغيان وغينان ، بضم أولهما وكسرة تجاوز الحد في العصيان والغلو في الكفر ، وأصله تجاوز الشيء عن مكانه ، وقوله سبحانه: