{وإِذا تَولَّى} : انصرف عنك بعد أظهار المحبة وإلإنة القول ، أو صار واليًا لغلبته .
{سَعَى في الأرضِ} : مشى فيها مشيًا فيه بعض سرعة خفيفًا ، أو ذلك عبارة عن الاجتهاد والتشمير فيما يذكره من الإفساد والإهلاك .
{لِيُفسِدَ فِيها} : بقطع الأرحام وسفك دماء المسلمين ، وأكل الأموال بالباطل ، وتزيين الشرك وغير ذلك من المعاصى ، قال ابن جريح يدير الدوائر على الإسلام ، وقال ابن عباس: يقطع الطريق ويفسدها ، وإذا صار واليًا ، أي مستوليًا بالغلبة فعل ما تفعله أولياء السوء .
{ويُهلكَ الحَرْثَ والنَّسل} : الحيوان لأنها منسولة ، أي مولودة ، ولو كانت كبارًا كما مر أنه مر بقول من المسلمين ، فأحرق لهم زرعًا ، وقيل حمرا . قال ابن جرير الطبرى: المراد الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر ، وذكر أنه خرج إلى الطائف يطلب دينًا له كان غريم فلم يعطه ، فأحرق له حرثًا وعقر له أتنًا وهي إناث الحمر ، وذكر أنه بينه وبين ثقيف خصومة فيتهم ليلا فأحرق زروعهم وأهلك مواشيهم ، وبينه وبينهم رحم . ويجمع بين ذلك كله بما هو قول واحد ، وهو أن الأهلاك كان ليلا ، وأن صاحب الحرث والنسل كان مسلمًا ثقيفيًا رحما للأخنس غريمًا له ، وأن النسل إناث الحمر ، وسأل رجل من بنى تميم ابن عباس عن قوله D: {ويهلك الحرث والنسل} ، قال: نسل كل دابة ، ونسل كل حرث ، بأنه يعمل بالظلم ظاهرًا ، ولا يمنع منه فيمنع الله سحبانه بشؤم ظلمه القطر ، فيهلك الحرث والنسل ، بمنع القطر ، واستظهر بعض أن يكون إهلاك الحرث والنسل عبارة عن المبالغة في الإفساد ، وعطف يهلك على يفسد عطف خاص على عام ، وقد تقدم لك قول إن الآية عامة في كل متصف بالنفاق وتلك الصفات ، والظاهر نزولها بسبب الأخنس خصوصًا ومعناها عام وقرأ يهلك بفتح الياء وضم الكاف ، ورفع الحرث والنسل على الفاعلية ، فالعطف على سعى وكذا يكون العطف على سعى في قراءة الحسن ، ويهلك بفتح الياء واللام ، وضم الكاف رفع الحرث ولانسل لغة من يقول هلك يهلك بفتح اللام في الماضي والمضارع كأبي يأبي وفي قراءته الأخرى المروية عنه يهلك بالبناء للمفعول والرفع فيه وفي الحرث والنسل .
{واللّهُ لا يُحبُّ الفَسَادَ} : أي لا يرضاه ولا يبيحه ، قال ابن عباس: لا يرضى بالمعاصى فمن فعلها استوجب غضبه ، وحب الله الشيء الرضا به مع الأمر به إن كان مما يتعبد الخلق بالأمر به ، فقد يرضى شيئًا ويأمر به فلا يمتثله المكلف به خلاف إرادته ، فإنها لا تتخلف ، لأن فيها معى القضاء وقد يريد شيئًا ولا يحبه ، فإن المعصية من العاصى قد أرادها بمعنى قضاها عليه وخلقها ولا يحبها ، بمعنى لا يرضاها ولا يبيحها كالإنسان يريد الدواء ولا يحبه ممدوح من جميع جهاته معظم ، ولا يستلزم الإرادة ذلك وغن شئت فقل: محبة الله الشيء مدحه وتعظيمه فلا دليل للمعتزلة في الآية على قولهم الحب والإرادة بمعنى واحد ، ولو استدلوا بها ونسب قولهم إلى المتكلمين أيضًا ، ولا يصح تفسير الحب في الآية بالإرادة ، لأن الفساد واقع وما أراد الله عام وقوعه لا يقع إلا أن يقال المعنى لا يريده من أهل الصلاح أو لا يريده دينًا .