{ولكُم في القِصَاصِ حَياةٌ} : قيل المراد بالقصاص قتل القاتل والحياة بالحياة العظيمة الهنية ، وهي حياة الجنة ، فإن القاتل إذا أذعن للقتل تائبًا كانت له الجنة ، وإن لم يذعن ولم يتب كانت لهُ النار لا يموت فيها ولا يحيا ، وقيل المراد بالقصاص قتل القاتل والحياة حياة الدينيا وهي عظيمة أيضا من حيث إن قتا ردع عن القتل ، وذلك أنه إذا قتل القاتل ارتدع من يريد القتل عن القتل لئلا يقتل ، وقيل المراد بالقصاص شرع القصاص لا نفسه ، والحياة دنيوية عظيمة أيضًا من حيث إن الإنسان إذا علم أنه إن قتل أحدًا قتل به امتنع من القتل لئلا يقتل فيحيا هو ومن أراد قتله ، وأيضا كانوا يقتلون غير القاتل ، والجماعة بالواحد متهيج الفتنة ، فإذا علم أنه يقتل واحد بواحد وأنه لا يجوز غير ذلك شرعا ، وقتل القاتل سلم الباقون من القتل ، والمراد بالقصاص القصاص المعهود المذكور في الآية قبل في قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} فالمراد الجنس المعهود ، وهو قتل النفس شرعًا أو إنجازًا ، ويستفاد حكم القصاص في الجرح والشجة والعضو وإزالة منفعة من حكمه في قتل النفس ، ويجوز ألا يكون المراد المعهود بل الجنس الذي يعم ذلك كله ، فإن الجرح قد يفضى إلى الموت وكذا ما بعده ، ففى تركه حياة دنيوية ، وكذا في الإذعان للاقتصاص مع التوبة حياة الجنة ، والآية على القول الثاني والثالث أفصح منها وأبلغ على القول الأول ، وعلى الثالث أبلغ وأفصح منها على الثاني وأوجز ، وهي عليهما في غاية بلاغة وفصاحة ووجازة وإيجازها إيجاز قصر وهو الذي يحصل بلا واسطة حذفن فإنه ولو كان فيها حذف الاستقرار المتعلق به لكم لكن الإنجاز ليس متحصلا به ، وأيضا قد وجب حذفه وسد لكم مسده ، وأفاد مفاده ، وبيان إيجازه أن لفظهُ قليل ومعناه كثير كما مر أن المعنى أنه إذا علم أنه إن قتل أحداص قتل به ارتدع وسلم الناس من قتل بعضهم بعضا . ومن قتل جماعة بواحد ، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل ، ولو كان كما تقول العرب القتل أنفى للقتل ، لم يفد ما أفاده قوله ، ولكن في القصاص حياة ، ولم يكن في وجازته ، لأن مقابل هذا الكلام هو قوله في القصاص حياة ، فإنه لا نظير لقوله تعالى: {لكم} في قولهم القتل أنفى للقتل ، فلو عد في التنظير لكان كعديا أولى الألباب فيهِ ، لأنه أتى به لمعنى لم يقصده في ذلك الكلام ففى قوله D: {في القصاص حياة} أحد عشر حرفا إن اعتبرنا التنوين وعشرة إن لم نعتبره ، وفي قولهم: القتل أنفى للقتل أربعة عشر حرفا ، وإن ما لم تعتبر ياء في ، وهمزة أل لأنهما لا يلفظ بهما ولو كتبتا ، والإنجاز يعتبر فيه اللفظ ولو بمد الصوت كألفى قصاص وحياة ، أو بما لم يكتب لا الخط والمطلوب هو الحياة ، وهي مذكورة تصريحا في الآية دون قولهم: القتل أنفى للقتل ، وفيها الدلالة على نوعية الحياة أو تعظيمها ، فإن تنوين حياة وتنكيره للدلالة على أحدهما أي نوع من الحياة ، وهو الحياة المتحصلة للذى أريد قتله ، والذي أراد القتل لعلمه أنه إن قتل قتل فكيف عنهُ أو حياة عظيمة ، وهي حياتهما وحياة الجماعة التي يراد قتلهما بالواحد ، ولا دلالة على نوعية الحياة ، ولا على تعظيمها في قولهم القتل أنفى للقتل ، وأيضًا قولهُ {في القصاص حياة} ، مطرد في كل قتل قصاص ، إذ فيهِ التصريح بالقصاص ، وقولهم: القتل أنفى للقتل غير مطرد بالنظر للفظه لعدم التصريح فيه بالقصاص ، فإنهُ يشمل القتل ظلما وهو أدعى للقتل لا أنفى له ، وأيضا قوله: {في القصاص حياة} لا تكرار فيه بخلاف قولهم: القتل أنفى للقتل ، فإن فيه ذكر القتل مرتين ، وما يخلو من التكرار أفضل مما فيه التكرار ، ولو لم يكن كل تكرار مخلًا بالفصاحة ، وفيه رد العجز على الصدر إذ كرر لفظ القتل بمعنيين ، لأن أحد التكرار إذا كان فيه تكرار ، بل من حيث إنهُ رد العجز على الصدر ، وهذا لا ينافى رجحان الخالى عن التكرار ، وأيضا قوله: {في القصاص حياة} ، مستعنى عن تقدير محذوف يحتاج إليه الكلام ، فإن لكم تائبن عن الاستقرار ومفيد مفاده كما مر ، وقولهم: {في القصاص حياة} المطابقة وهي من المحسنات البديعية وهي الجمع بين متضادين ، فإن القصاص قتل وهو يتضمن موتا ، والموت ضد الحياة وليس ذلك في قولهم القتل أنفى للقتل وفي قوله جل وعلا: {في القصاص حياة} غرابة مستحسنة معنوية لا مردودة ، لفظية إذ جعل الشيء محل ضده ، لأن القصاص بالقتل تفويت للحاة ، وقد جعل ظرفا للحياة وأيضا قوله: {في القصاص حياة} سببان خفيفان فقط غير متواليين أحدهما الفاء واللام ، والآخر التاء والتنوين ، وقولهم: القتل أنفى للقتل توالى أوله إثنان وفي آخره أربعة من همزة أنفى إلى تاء القتل الآخر ، وتوالى الأسباب الخفيفة يقتضى ثقل الكلام ، وهب أن حسبنا صاد قصاص مع ألفه الذي بعده سببا وحسبنا ألف حياة أيضا مع يائه ، لكن لم تتوال ثلاثة بل اثنان ومن الفاء إلى التاء ثلاثة توالت ، بل إذا نظرت وجدت اجتماع حرفين متحركين في قوله: {قصاص} قوله ص ح بل ثلاثا بالتاء ، وليس في قولهم جمعهما إلا في موضع واحد ، وهما لام القتل وهمزة أنفى بعده ، وفي الآية تقديم الظرف للاختصاص والمبالغة ، وليس ذلك في قولهم ولا يقال إن التقديم لتسويغ الابتداء بالنكرة لا للتخصيص ، لأنا نقول تنوين حياة للتنويع أو للتعظيم ، وذلك وصف سوغ ابتداؤه وأيضا لكم قد تقدم وهو خبر ظرفى ، فهو كاف في التسويغ ولا سيما جعلنا في القصاص حالا من ضمير الاستقرار في لكم أو متعلق بلكم لسده مسد ما يصح التعليق به ، ولم نجعله خبرًا ثانيا ، وإن جعلناه خبرًا ثانيا صح ولا خلل .