فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 7694

{يَا آيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} : لما ذكر المؤمنين والمشركين والمنافقين وخواص هؤلاء الفرق الثلاث، ومصارف أمورهم كصرف المؤمنين حواسهم إلى الحظوظ الآجلة، والمشركين والمنافقين حواسهم إلى العاجلة، أقبل عليهم بالخطاب على طريق العريب، في التفاتها من الغيبة إلى الخطاب، تحريكًا للسامع وتنشيطًا له، واهتمامًا بأمر العبادة وتفخيما لشأنها، فإن التفنن في الكلام والخروج فيه من تصنيف إلى تصنيف ما يستدعى زيادة إصغاء، هذا كما تقول لمخاطبيك: إن من فعل كذا أو كذا لحميد وإن جزاءه من الخير كذا وكذا، وإن من فعل كذا وكذا لذميم، وإن عقابه كذا وكذا يا بنى فلان أنه حق عليكم أن تنظروا لأنفسكم ولا تهملوها وتلزموها طريق النجاح لتفوزوا عن الهلاك إلى الفلاح، ولما كان في عبادة الله - جل وعلا - بخطابه الناس، لأن في خطابه إياهم لذة وإيناسًا. وإنما ناداهم بيا وهي للبعيد والله - سبحانه وتعالى - أقر من حبل الوريد، لأنهم بسهوهم وغفلتهم منزلون بمنزلة البعيد، وللتأكيد في النداء إيذانًا بإنما يتلو النداء مما يهتم به الغافل، والبعيد يعتنى بأمره خوفًا عليه أكثر مما يعتنى بالقريب، وأما دعاؤنا الله بيا فاستبعاد لأنفسنا واصتقصار لها عن مظان الزلفى الموسومة للمقربين، وهضم لها وإقرار بالتفريظ في جنب الله، ومبالغة في الدعاء وطلب الإجابة، وأى اسم جنس مبهم جعل وصلة لنداء ما فيه أل، لأن حرف النداء وأل متماثلان، ولا يجتمع تعريفان، وهي نكرة مقصودة، ولما كان اسم جنس مبهمًا لزم بعده اسم جنس آخر مقرون بأل يزيل إبهامه، أو ما يجرى مجرى اسم الجنس نحو: يا أيها الزيدون، ويا أيها ذا، ففى ذلك فائدة الإيضاح بعد الإبهام، وهو نوع تأكيد، وها للتنبيه جاء بها تعويضًا عما يستحق أي من المضاف إليه، والتنبيه تأكيد، فهذا تأكيد آخر، فذلك ثلاث توكدات: النداء بياء والتنبيه والإيضاح بعد الإيهام، ولا يقطع ما بعد أنها عن الضم إشعارًا بأنه المقصود بالنداء، والضمة فيه أو نائبها مناسبة للفظ أي وهو مقدر النصب بفتحة أو نائبها لا إعراب ولا بناء، لكن لما كانت حركة المنادى وحرفه النائب عنها كحركة الإعراب أو نائبها لحدوثها بحرف النداء اتبع فيه المنادى، وهذا أولى من أن يجعل ذلك في تابع أيها إعرابًا على نية أن المنادى نائب الفاعل تقدير الفعل النداء مبنيًا للمفعول، كقولك في الإنشاء يدعى الناس وللتوكيدات الثلاث في ذلك كثر النداء، في القرآن في كل أمر عظيم حقيق بالتفطن له والإقبال عليه، والأصل في أل العموم فإذا لم يدل دليل على العهد أو غيره حملت على العموم أو الجنس، سواء دخلت على الجمع كالملائكة أو اسم الجمع كالناس أو المفرد كالإنسان، ولذلك صح الاستثناء منها والتوكيد بما يؤكد الجمع نحو:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت